أسرار مجهولة.. محطات خفية في حياة الفنان عبد الفتاح القصري الفارهة

أسرار مجهولة.. محطات خفية في حياة الفنان عبد الفتاح القصري الفارهة
أسرار مجهولة.. محطات خفية في حياة الفنان عبد الفتاح القصري الفارهة

تعتبر حياة الفنان عبد الفتاح القصري قصة ملهمة لمسيرة فنية استثنائية بدأت بصدفة غيرت مجرى تاريخ الكوميديا المصرية، فمن منا لا يستحضر إيفيهات هذا الفنان العبقري الذي جسد أدوار “ابن البلد” ببساطة متناهية، غير أن الواقع يخفي جانباً تراثياً وثقافياً ثرياً لهذا النجم الذي استطاع أن يبني لنفسه بصمة لا تُمحى في ذاكرة السينما والمسرح العربي على مر العصور.

النشأة والتعليم في حياة عبد الفتاح القصري

ولد الفنان عبد الفتاح القصري في عائلة عريقة تعمل في تجارة الذهب بمنطقة الجمالية الشهيرة، وكان والده فؤاد القصري يرجو أن يسير ابنه على نهج العائلة في الصاغة، وقد أحاطته أسرته بكل سبل الدلال كونه الحفيد المنتظر الذي يحمل اسم جده، وعلى عكس الصورة النمطية التي قدمها في فيلم “الأستاذة فاطمة” كشخص “أمي” لا يفك الخط، فقد كان القصري شخصية مثقفة تعلمت في مدارس الفرير الفرنسية المرموقة، حيث أتقن اللغة الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، ويمكننا تلخيص بعض محطات ميلاده المثيرة للجدل في الجدول التالي:

المصدر تاريخ الميلاد المذكور
ابنة شقيقه نجلاء القصري عام 1905
المؤرخ الفني ماهر زهدي عام 1897

تأثر الفنان عبد الفتاح القصري منذ صغره بأجواء الحارات المصرية الشعبية، حيث كان يعشق الجلوس مع أصدقائه على المقاهي بدلاً من الالتزام بحصص الدراسة، ورغم تفوقه الأكاديمي في مدارس اللغات إلا أن شغفه بالشارع وطباع “أولاد البلد” غلبت على طموح أسرته، فكان يرتدي الجلباب ويحاكي التجار والباعة في تصرفاتهم، وربما كان هذا الاختلاط المبكر هو السر الحقيقي وراء قدرته الساحرة على تقمص شخصيات الحانوتي أو شيخ الصيادين، والتي رسخت صورته الذهنية عند الجمهور العربي كأحد أبرز نجوم الكوميديا بلا منازع.

انطلاقة عبد الفتاح القصري في عالم المسرح

بعدما اتخذ قراره بترك المسار الدراسي التقليدي، بدأ عبد الفتاح القصري رحلة البحث عن شغفه الحقيقي في أروقة المسرح، وكانت محاولاته الأولى مليئة بالتعثرات مع فرق مثل فوزي الجزايرلي وعبد الرحمن رشدي، إلا أن نقطة التحول كانت حينما انضم لفرقة جورج أبيض، والذي انبهر بقدرة القصري اللغوية على الترجمة، فلم يكتفِ بدور الممثل بل ساهم في ترجمة الروايات العالمية، ومع ذلك، تعرض الفنان عبد الفتاح القصري لموقف درامي على خشبة المسرح أثناء عرض “أوديب ملكاً” حينما أضاف لمسته الكوميدية الخاصة، مما أغضب جورج أبيض الذي طرده وضربه، ظناً منه أن القصري أفسد العرض، إليكم أبرز ما أضحك الجمهور في ذلك العرض:

  • خروج القصري عن النص الدرامي في مسرحية أوديب ملكاً
  • تلقائية عبد الفتاح القصري التي حولت الدراما إلى كوميديا ساخرة
  • رد فعله الشهير “واحسرتااااه أنا تقوللي صهٍ” أمام الجماهير

تأثير عبد الفتاح القصري في الكوميديا المصرية

اعتقد الكثيرون أن صفعة جورج أبيض كانت بمثابة كلمة النهاية لمستقبل الفنان عبد الفتاح القصري، لا سيما بعد انتشار أخبار الواقعة في الصحف الفنية آنذاك، لكن الرياح جرت بما لا يشتهيه المخرجون التقليديون، إذ سمع نجيب الريحاني عن هذا الممثل الذي أضحك الجمهور بدلاً من إبكائهم، فاستقطبه فوراً إلى فرقته، لتكون تلك الواقعة شرارة انطلاق نجومية عبد الفتاح القصري في عالم الكوميديا، حيث قدم لنا إيفيهات خالدة مثل “يا صفايح الزبدة السايحة”، و”نورماندي تو”، و”أنا جنب منك أبقى مارلين مونرو”.

إن مسيرة عبد الفتاح القصري تعد درساً في الإبداع الفني الذي لا يعترف بالحدود أو القوالب الجاهزة، فقد استثمر في عقله وثقافته ليخدم فنه، وتجاوز كل الصعاب ليصير أيقونة للضحك الراقي، وما زالت إيفيهاته تتردد في أروقة حياتنا اليومية وكأنها كتبت خصيصاً لكل زمان، فهذا الفنان الغائب جسداً يظل حاضراً بروحه الصاخبة وابتسامته التي لا تغيب عن وجدان محبيه في كل مكان.

كاتب لدي جريدة المسار بخبرة تصل لعشر سنين في المجال الأخباري خصوصا في الشأن العربي، أقدم تغطيات حصرية للعديد من الملفات.