رجال غزة يستعيدون ذكريات أحبائهم المفقودين تحت الركام
غزة، في غزة، تخرج هواتف عديدة من تحت الأنقاض محطمة أو مغلقة، حاملة معها آخر صور الشهداء وأصواتهم، إلى جانب رسائلهم ومقاطع توثق لحظاتهم الأخيرة. بالنسبة للعائلات التي فقدت أحباءها، بات الهاتف نافذة أخيرة على الراحلين وأحياناً طريقاً للحصول على حقوق مالية للأطفال الأيتام. بين محال الصيانة وقلوب الأسر، تبدأ رحلة شاقة لاستعادة ذكريات من فقدوا.
بحثا عن آخر لحظات الشهيد
حين استلمت صبحية شراب هاتف زوجها عبد الرحمن العبادلة، كان يحمل قطعة من الأحزان. جاءها الهاتف وقد شاشته محطمة وهيكله معطوب، لكنه احتوى على أصوات وصور توثق آخر لحظاته. استشهد عبد الرحمن في 17 مايو/أيار 2025 أثناء توثيقه مشهد صحفي، وكان الجهاز يمثل أقرب أثر له.
خلال اليومين الأولين، صب الحزن على قلب صبحية، لكن مع مرور الأيام، زاد شوقها وخرجت تبحث عن محل لصيانة الهاتف الذي غمرها الذكريات، كمن يبحث عن مخرج من بئر عميق، خاصة بعد أن ارتفعت أسعار الصيانة بشكل كبير جراء الحرب.
- تبديل الشاشات أصبح يكلف ثمن هاتفين جديدين.
- الذكريات عالقة ضمن ذاكرات الهواتف المكسورة.
- تكرار المحاولات للعثور على محتويات الهواتف.
كلفة عالية
بعد 6 أشهر، وعندما بدأت الأسعار تنخفض نسبياً، استطاعت صبحية إصلاح الهاتف بمبلغ يقارب 1200 شيكل، وهو ما يوازي ثمن جهاز جديد. لكنها اعتبرت ذلك لقاء مؤجلاً مع زوجها. فبمجرد أن عاد الهاتف للعمل، عادت إليها بعض من ذكرياته.
أما محمد صباح، فقد عانى حزناً مضاعفاً منذ استشهاد زوجته وبناته. كانت محاولاته تتركز حول استعادة هواتفهن، إلا أنه لم يتمكن سوى من فتح جهاز واحد من بين خمسة، وكانت كل محاولة تحمل في طياتها آلاماً جديدة.
إجراءات معقدة
بالنسبة لمحمد صبيح، يمثل هاتف أخيه الشهيد كتاباً مقفلاً، يحمل ذكرياته وأمواله. سعى جاهداً لتخطي الإجراءات المعقدة التي تتطلب أوراق رسمية وتوثيق من جهات مختصة. كان يسعى للحصول على كل ما يمكن أن يساعد أبناء شقيقه.
دينا فروانة تعاني أيضاً من فقد مزدوج بسبب فقدان أهلها، لكنها تسعى جاهدة لاستعادة المحتويات التي تعكس ملامحهم وصوتهم. فقد كان هاتف زوجها مليئاً بلحظات جميلة، ومع تعذر إصلاحه، فقدت الأمل في العودة إلى ذكرياتها.
ورش البرمجة ودور منشود
نبيل فرج، الذي يدير متجر صيانة الهواتف، يستقبل يومياً عائلات تحمل آمالاً لكسر جدار النسيان. يحمل في نفسه الألم الذي يعيشه الآخرون مع كل جهاز يأتي إليه. يعتمد فرج على قدرتهم في فتح الهواتف، رغم المخاطر العالية المرتبطة بالأجهزة المعطوبة.
تمثل محلات الصيانة غرف انتظار تنتظر عودة الأحبة، لكن المحاولات غالباً ما تتعثر في خضم التعقيدات ويستمر فقدان الذاكرة. لكل من يحمل جرح الفقد، يمثل الهاتف شيئاً أكثر من مجرد جهاز إلكتروني؛ إنه نافذة على عالم ارتباطهم بالأحباء الذين رحلوا.

تعليقات