الجمعة - 21 ربيع الآخر 1438 هـ - 20 يناير 2017 م
  1. الرئيسية
  2. بروفايل

بروفايل

مدرسة “كوزموبوليتانية”

بروفايل - راشد فضل:

تمرد على “علم الحيوان” فخرج مهاجراً في رحلة البحث عن سوسيولوجيا الثقافة عبر عملية انتقال سلسة غطاها هدوء كثيف، يجسد شخصيته تماماً، فكانت المسافة بين ..

تمرد على “علم الحيوان” فخرج مهاجراً في رحلة البحث عن سوسيولوجيا الثقافة عبر عملية انتقال سلسة غطاها هدوء كثيف، يجسد شخصيته تماماً، فكانت المسافة بين الرياض وموسكو مليئة بالتفكير والفلسفة العميقة، فتحت آفاقًا لدراسة مكانة السلطات الأبوية في عصر العولمة، فامتد المشوار إلى سفر أطول رست سفنه لاحقا على شواطئ السين شريان ورئة عاصمة النور، فارقها لاحقاً وهو محاط بثقافـة الـتسـامح والتعددية والسلام. حوّل ذات مرة السؤال التقليدي الشهير الذي ظل يردده الناس منذ عقود: من يجرؤ على الكلام إلى من يجرؤ على السلام ؟ حتى تحرك حساب بن بيه بكل ثقله وصار يحلق بالمقال الأشهر في السايبر.

زياد الدريس كوزموبوليتاني بمعنى هذا المصطلح الواسع، توافرت فيه كامل الشروط، من الاتسام بتعدد اللغات والثقافات، وحمل شعور أن الوطن بيئات مختلفة، إلى التمتع باهتمامات واسعة عبر الحدود الثقافية والوطنية. هو دولي لكنه ليس عالمياً في الولاء الايديولوجى، يمضي على طريق المفكرين الوطنيين، وفوق كل ذلك عاش في العاصمة الفرنسية باريس التي حملت صفة المصطلح دون غيرها من العواصم، لثقافاتها المتعددة وانفتاحها على العالم.

إلى (اليونسكو) حمل أبو غسان معه تأهله الأكاديمي العالي وتجاربه العملية ونشاطه الانساني الواسع وحراكه الثقافي الثر، موثقاً بإسهامات عديدة في كثير من اللجان الثقافية والإعلامية والتراثية، إلى جانب تربيته التعددية مع أبيه التي قال عنها إنها: “تمنعه من الإيمان بنظرية تفوّق جنس على جنس، فكيف بتفوّق جنسية على جنسية؟!” دخل الى المنظمة الأممية وهو يعلم أنه جاء في وقت نمو الاقتصاد الرأسمالي وصعود الاثنيات، والأصولية الدينية، ومجتمعات المعلومات أو ما بعد الحداثة والنظام العالمي الأحادي، والإرهاب العالمي، وهو زمان زالت فيه الايديولوجيا التي يقول عنها المفكرون إنها مثالية السياسة، وحل التشرذم الاجتماعي وثقافة الاستهلاك الشخصي، لكن برزت تيارات التعددية الثقافية ليست التي انحصرت في ثنائية اللغة وأطلقت من كندا وأستراليا، لكنها سرت في منعرجات الجدالات السياسية وأصبحت مضمارا للنقاش الأيديولوجي.

في حراك اليونسكو، انداح خلال عقد من الزمان مع تيارات التعايش السلمى بين الثقافات المتعددة، وواكب داخل منظمة التربية والعلم والثقافة، تطوير أساليب الحياة والتفكير أيضاً، تلك الأساليب التى تستأصل من مجتمعات وثقافات المنشأ ومن الحياة التقليدية والتمركز حول الوطن والعائلة، والاتجاه للتطوير نحو حياة مختلطة ثقافياً تتجسد فيها مختلف الأفكار والتقاليد والابتكارات المتنوعة، يحيطها ضجيج بيئات فنية وفكرية تميزها لغة ثقافية خاصة مرتفعة للغاية، لا يغيب عنها الأدب ولا أساليب البيئات المختلفة.

قبل أن يغادر الدريس مقعده، أخذ عليه الحجازيون الحريصون على تراثهم القديم أنه رفع شعارًا عنهم لا يمثل موروثهم، العميق، ربما أنست الحماسة الزائدة، بعضهم قبل أن يشتطوا في الخصومة، أنه يحلق بعيدا مع ثقافات التنوع، وتنوع الثقافة، وغاب عنهم أن إسهاماته في تسجيل التراث الوطني ذات ثقل سجل معها اسمه وبلاده بتفرد في ذاكرة المنظمة، فكم من موقع وأثر تاريخي سعودي سجل في ذاكرة العالم بفضل جهده الوطني، بل تعدى ذلك إلى إسهامه المقدر الذي بذله في ضم فلسطين لعضوية اليونسكو وما قدمه للقدس والأقصى مما ستذكره الأجيال، ويكفيه أن عاد  وهو راضٍ عن أدائه، الذي عززه التفاف أصحاب الضمائر الحية بمختلف توجهاتهم الفكرية والجغرافية حول بذله.

مع نهاية دوام يوم الجمعة ٣٠ ديسمبر الماضي، اختتم زياد مهمته مندوباً دائماً للمملكة لدى منظمة اليونسكو لفترة امتدت عشر سنوات، وفي أركان المنظمة ما زال يتردد صدى كلماته التي  قالها يوماً ما : جميلٌ أن تحب الشعوب أوطانها، لكن الأجمل أن تحب الشعوب بعضها، وقبيحٌ أن تكره الشعوب بعضها، لكن الأقبح أن تكره الشعوب أوطانها.

اختطاف العدالة

المسار - مصطفى غليس:

انتهت سلسلة الاعتداءات التي تعرض لها خلال الفترة الماضية باختطافه، وما له من ذنب سوى اعتداله الديني وحبه للمملكة وتفضيلها على ما دونها. في دائرة ..

انتهت سلسلة الاعتداءات التي تعرض لها خلال الفترة الماضية باختطافه، وما له من ذنب سوى اعتداله الديني وحبه للمملكة وتفضيلها على ما دونها.

في دائرة عمله المشحونة بالخصومات عُرف قاضي دائرة الأوقاف والمواريث في محكمة القطيف الشيخ محمد الجيراني بتحمله شدة وقسوة بعض المراجعين، ويروي شهود تقاضوا بين يديه أنه كان شفيقًا عليهم ومصلحًا وموفقًا بين الأسر أثناء التخاصم وقد جمع بين لين وطيب القلب وحزم القضاء بالفصل بالعدل وكان يصلح بين الناس خارج عمله ويوفق بينهم.

طارت تصريحاته التي أدلى بها لقناة فضائية قبل أيام من اختطافه إلى الآفاق، وهو ينتقد طريقة تعامل بعض المواطنين مع أموال الزكاة والخمس، بقوله “كنت أتمنى أن يذهب الخُمس إلى فقراء البلد بدلاً من إيران والعراق ولبنان”.

حذر القاضي الجيراني من استغلال ولاية الفقيه لإثارة الشعوب على أوطانهم وبيّن ضررها على المجتمع والوطن، وحارب الإرهابيين في القطيف بالكلمة والإعلام، وانتقدهم وحذر منهم ومن السكوت عليهم وكان صريحاً في ذلك.

ومع إطلالة صباح يوم الثلاثاء الثالث عشر من ديسمبر الماضي، استيقظ كعادته، وبينما كان يهم بمغادرة منزله متجهاً إلى مقر عمله، إذا بشخصين مجهولين يهاجمانه ثم يأخذانه على حين غفلة ويركبانه عنوةً مركبةً كانت في انتظارهما، مخلفًا وراءه حذاءه الذي كشف بشاعة الخاطفين.

قبل الثلاثاء الأسود بنحو 6 أشهر، تعرض القاضي الجيراني لملاحقة مجهولة، واعتداءات عدة على ممتلكاته ومحاولة حرق منزله من قبل مجهولين، ورغم ذلك ظل الجيراني ينادي للخير والتسامح.

موقف الشيخ محمد الجيراني المعلن والرافض لسياسة إيران العدائية في المنطقة بشكل عام، ومع المملكة بصفة خاصة، ورفضه القاطع أيضاً لاعتداءات “الفئة الضالة”، واستهدافهم رجال الأمن، وترويعهم للآمنين أثار خاطفيه، وربما أرعبهم.

ورغم سرعة استجابة أسرته للأصوات المريبة، يوم اختطافه، وخروجهم لتفقد الأمر، إلا أن الوقت لم يسعفهم للحيلولة دون منع جريمة الاختطاف التي لم يبقَ من آثارها -خلال لحظات- سوى حذاء القاضي الملقى مقابل منزله، في إشارة إلى جرم الجناة الذين اصطحبوه إلى مكان لا يزال مجهولاً حتى اليوم.

ألق الصدارة المتجدد

بروفايل - راشد فضل -

اختلط نشاطه الإعلامي التوعوي المستهدف مخاطبة عقول الشباب، بعمق ووعي وفاعلية، فخطف الأضواء والتفتت الأنظار إليه، فكانت فكرة برنامجه وطريقة عرضه وتقديمه للأمور، تعطي انطباعاً ..

اختلط نشاطه الإعلامي التوعوي المستهدف مخاطبة عقول الشباب، بعمق ووعي وفاعلية، فخطف الأضواء والتفتت الأنظار إليه، فكانت فكرة برنامجه وطريقة عرضه وتقديمه للأمور، تعطي انطباعاً أن هذا المبدع تزود من صباه بسمات الحماس ولم تغب عنه بلاغة النصح عند الكبار، فاستطاع المزج بين حكمة الشيوخ وحماس الشباب، لينتج هذا المزيج الرائع نفسا متفرداً وعطرا فواحا يؤثر في الألباب ويسحر الجميع من خلال مسحة التهذيب الطاغية والتدين المؤثر، والمزاوجة بين الأصالة والمعاصرة.

تقدم أحمد الشقيري نحو الصدارة بخطوات واثقة، ورؤية ثاقبة وتخطيط متكامل إلى أن وصلها فأصبح رمزاً للإلهام عند الكثيرين، متعدياً للحدود، ولم يتوقف عند شباب  بلاده بل وصل لنظرائهم في الوسط العربي، الذين  نظروا إليه بوصفه رمزا ووصفه البعض برجل التغيير.

استعان بفكر (باندورا) فكانت نظرية التعلم بالملاحظة، حاضرة في أسلوب الشقيري الدعوي الذي انتهجه مؤخرا، والقائم على فكرة التعلم عن طريق الملاحظة أو المحاكاة أو التقليد أو بمفهوم آخر التعلم عن طريق النمذجة، متخذاً إحدى أبرز نظريات علم النفس التي حاولت عبر السنين تفسير السلوك البشري المعقد، ومن ثم الرقي به في المجالات الحياتية المختلفة.

الشقيري ليس الأول أو الوحيد من نوعه، ممن نجح في الوصول إلى جمهور الشباب من خلال مقاربة الاعتدال الديني، التي تقوم على المزج بين الالتزام المتعمق مع الأناقة والحداثة، والتأكيد على أن الإسلام كـإبداع عظيم  هو ارتقاء وتنوير. لكنه تفوق في الوصول إلى جمهور المتعطشين إلى الانطلاق والتحلل من القيود والاسئلة الفلسفية العميقة، فحلق بهم إلى فضاء الابداع والتمييز الواسع. حينما ذهب إلى المنسيين من المبدعين في العمل الانساني والمجتمعي، وأخذ بأيديهم ونقل تجاربهم إلى الناس جميعاً، ففي العاصمة السودانية الخرطوم، كانت مجموعة شابة محدودة الإمكانيات والادوات تنتشر في شارع يعبره المرضى والممرضون والممارضون، تلتقط المتعففين ممن يعجزون عن ثمن الدواء، فتشتريه لهم بالتعاون مع الخيّرين، حينما وقفت الحكومة ضد هذا النشاط الشبابي الضخم الذي غطى عجزها، كان الشقيري حاضرا بقوة فنقل التجربة الخلاقة للعالم فكانت مبادرة شارع الحوادث، مشروعا يمشي بين الناس.

تعرض أحمد لهجوم واسع من نشطاء على مواقع التواصل، حينما اغلق مطعمه على خلفية مخالفات صحية، وكان المنتقدون يبنون دوافعهم على تناقض ما يقدمه الإعلامي السعودي مع ما يفعله في الواقع، لكن حتى الانتقاد في بعضه لم يخرج من إطار اللطافة والممازحة، فمثلا، علق أحدهم بالقول: “عزيزي أحمد الشقيري، أخيراً أثبت أنك سعودي ولست من كوكب آخر، هارد لك يا برنس دجاج فاسد، يا متعلم يا بتاع اليابان”. وقال آخر ساخراً: “في اليابان يا شقيري ما يستخدموا صدور دجاج فاسدة”.

ألق الشقيري تجدد، ولم يغب عن أحدث الجوائز، حتى حينما اكتسح السعوديون جوائز رواد التواصل الاجتماعي العرب، في الاحتفالية التي أقيمت أخيراً في دبي ضمن فعاليات قمة رواد التواصل الاجتماعي، فقد كُرم بصفته أحد أكثر المؤثرين العرب حضورا وتفاعلا على شبكات التواصل الاجتماعي بإجمالي متابعين يتجاوز 38 مليون متابع حول العالم.

“عبير” الفيزياء

المسار - بروفايل - أحمد الأحمري:

“أحب التحدي وأحب اكتشاف الأشياء”. خلف هذه الكلمات رسمت خطوط مستقبلها ونقشت حروف اسمها وأعلنت عن نفسها ضمن قائمة النساء البارزات في وطنها.. “الفضول” دفعها ..

“أحب التحدي وأحب اكتشاف الأشياء”. خلف هذه الكلمات رسمت خطوط مستقبلها ونقشت حروف اسمها وأعلنت عن نفسها ضمن قائمة النساء البارزات في وطنها.. “الفضول” دفعها نحو البحث والمعرفة وسار بها إلى تخصص قل أن تتجه إليه  “النواعم” واختارت السباحة عكس التيار إلى أن كرمتها الخارجية الأميركية ضمن برنامج النساء المتميزات في العلوم عام 2012 على مستوى منطقة الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا.

عالمة الفيزياء النووية الدكتورة عبير بنت علي الحربي شغفها بفهم الطبيعة دفعها لتخصص الفيزياء في مرحلة البكالوريوس بعد أن أنهت حياتها الدراسية ما قبل الجامعة بتفوق مستمر لتعمل معيدة بعد تخرجها وتتخصص في الفيزياء النووية والمفاعلات وتحصل فيما بعد على درجة الماجستير في الفيزياء التجريبية عام 2002م.

في العام 2007 أنهت الدكتورة عبير الحربي مشروع الدكتوراه والذي تمثل في ابتكار تقنية جديدة لإنتاج نظير الثاليوم المشع باستخدام تقنيات نووية لعلاج الجلطات الدماغية وانسداد الشريان التاجي وسرطان الأطفال لتحصل بعدها على زمالة فولبرايت الأميركية وتعمل على مدى عامين كأستاذ زائر في جامعة  تكساس A&M  الأميركية، وساهمت في تأسيس برنامج إنتاج النظائر الطبية المشعة.

نشأة “الفيزيائية” عبير كانت مثالية مبدعة بالدرجة الأولى فعن يمينها كان والدها  الباحث والمؤرخ والشاعر علي بن إبراهيم الحربي، مؤلف الموسوعة الجغرافية للمملكة العربية السعودية، وعن يسارها والدتها مريم بنت عائل الحربي، التي كُرمت في عام 1417هـ بجائزة الأم المثالية بعد أن تحدت الأمية وحصلت على الدرجة الجامعية.

الدكتورة عبير الحربي حصلت على عدد من الجوائز العلمية منها جائزة المرأة المتميزة في العلوم على مستوى العالم، وجائزة الأمير خالد الفيصل للتميز العلمي، وجائزة الباحث المتميز بعد إنشاء مركز أبحاث النظائر الطبية المشعة في مركز السيليكترون الأمريكية، وسجلت لثلاث سنوات متتالية في فهرسة المشاهير في العلوم والمشاهير في العالم.

عالمة الفيزياء السعودية حطت رحالها عميدة للتطوير وتنمية المهارات في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن ويبدو أن التحدي له فصول مستمرة لا تعرف التوقف في حياة عبير، فالفيزياء باختصار هي الظواهر الطبيعة.

احتفاء بمدرسة عصامية

بروفايل - راشد فضل:

لن تفي مساحة النشر المحدودة في هذا البروفايل، رجلاً مثل النعيمي، جزءا يسيراً من حقه، ولن تشغل بالتالي سطراً من إنجازاته ولا إسهاماته أو حتى ..

لن تفي مساحة النشر المحدودة في هذا البروفايل، رجلاً مثل النعيمي، جزءا يسيراً من حقه، ولن تشغل بالتالي سطراً من إنجازاته ولا إسهاماته أو حتى رحلة حياته الثرة. وبالتأكيد هو ليس في حاجة إلى إضاءة صحفية عابرة، فقد شغل وسائل الاعلام كثيراً بـ(عصاميته) النادرة، وتوهجه الدائم بـ(جيولوجيته) المتفردة و(تكنوقراطيته) الفذة التي أدار بها العمل بأحدث الأساليب، وتصريحاته (النفطية) النارية التي ملأت الدنيا وشغلت الأسواق العالمية، فكان هدفاً دائما لصحفيي (رويترز) والـ(فرانس برس) والـ (الأسوشيتد برس)، فيطير حديثه إلى أرجاء المعمورة في لحظات، وتصبح صورة بسمته (التي تخجل الضي) شاغلة لمساحات في صحف ومجلات العالم، من تلك عالية التخصص والاهتمام من أمثال: “journal of economic literature”     و”BusinessWeek” ، وحتى ما يصدر عن المعاهد الرصينة كـ “إيل بلاكويل” و”بروكينجز برست”، إلى صحافة دول العالم الثالث، وكل محطات الإذاعات المسموعة والمرئية.

لكن حدثاً هاماً في مسيرة المهندس الطويلة، قفزت شرارته من بين الوهج والزخم التنموي الضخم المصاحب لزيارة خادم الحرمين الشريفين الحالية للشرقية، برز كحدث استثنائي هام، ربما لم يتوقف عنده البعض كثيراً، لتزامنه مع الحراك الاحتفالي الطاغي بالضيف الكبير والمشاريع العملاقة التي أطلقها، كان ذلك، الأمر الملكي باعتماد تسمية أحد شوارع شركة أرامكو السعودية باسم المهندس علي بن إبراهيم النعيمي ومنحه درعاً من الشركة، عنواناً لحرص الدولة على تكريم أبنائها الخُلص الأوفياء ممن سخروا وقتهم وعلمهم وجهدهم في بناء الأوطان، إذ تبادلهم العطاء بعطاء. ولن تكون للمهندس النعيمي الذي هو الآن في المعاش، أمنية أعظم من هكذا تكريم، إذ يبقى اسمه متردداً في الظهران التي أحب، مكتوباً على شارع يمر به موظفو الشركة التي أفنى فيها أغلى أيامه، ووهبها عمره ربيعا وخريفا، فصعدت به إلى حيث الأنجم البعيدة. فهنيئاً له باحتفال القيادة والوطن، وهو من قال يوما  “خدمتي لوطني وارتياح المسؤولين عن أدائي هو في حد ذاته أكبر شهادة أعتز بها”.

لا يمكن النظر إلى إرث أرامكو الضخم وإسهامها غير المحدود والمهندس النعيمي صاحب تجربة الصمود والصلابة، خارج إطارها حتى لو عاد بعد رحلة السنوات الطويلة ومشوار العمر البترولي الممتد، إلى أسرته ومزرعته.

حرك النعيمي وهو جالس في منزله، منصات التواصل الاجتماعي، وأشعل الحراك في اوساط الشباب ممن يهتمون برحلة انجازاته وعصاميته التي غطت مساحة البلاد، فكانت صورة طفل صغير يركب خلف والده في ناقة مثاراً للجدل، ثم مرة أخرى وهو يتسلم جائزته من رئيس شركة أرامكو، هيو جيرنر، عام 1978 إثر قضائه 30 سنة في الشركة منذ عام 1948، وهو وقتها نائباً لرئيس الشركة لأعمال الزيت ، ليواصل النعيمي في أرامكو، حتى يصبح أول رئيس سعودي لها في عام 1984، ومنها وزيرا للنفط عام 1995، وهو الذي دخل عروس المدائن مراسلاً بأجر ثلاثة ريالات.

هو أحد الكنوز التي وهبتها الصحراء الواسعة للمملكة، وانطلاقا من ذلك وأشياء أخرى كثيرة حرص على توثيق مشوار حياته من خلال  “Out of the Desert”، الذي اختار أن يطلقه من معهد “تشاتام هاوس” بلندن، ينقل فيه النعيمي مسيرته الحافلة منذ انضمامه إلى عملاق النفط “أرامكو” مراهقاً. واستعرض منهجياته التي دافع عنها بقوة وتبنتها “أوبك” وعرج على عبقرية أفضل طريقة لتحقيق التوازن من خلال جعل الطلب والعرض والأسعار تتحرك وتعمل.

يطول الحديث عن شخصية في قامة وتجربة النعيمي، ولكن لا نهاية تذكر أفضل من قول وزير النفط القطري السابق العطية، حينما تسلم النعيمي في الدوحة هذا الشهر جائزة حمد بن عبدالله العطية للتميز في قطاع الطاقة والتي تمنح لشخصية واحدة سنويا، قال عنه: “لن يكون هناك أبدا نعيمي آخر. ففي خلال سبعين عاما تمكن النعيمي من النهوض من أرض الصحراء ليصبح أقوى تنفيذي في قطاع البترول لمدة قاربت ثلاثة عقود”.

صيحة هزت البيادق والرقعة

بروفايل - راشد فضل:

هبط إلى العراق أوان السخط كما تقول مؤلفة “أفول أهل السنَّة”، الصحفية الأمريكية ديبورا آموس وهي تحكي عن التهجير الطائفي وميليشيات الموت هناك، حاملاً مفاتيح ..

هبط إلى العراق أوان السخط كما تقول مؤلفة “أفول أهل السنَّة”، الصحفية الأمريكية ديبورا آموس وهي تحكي عن التهجير الطائفي وميليشيات الموت هناك، حاملاً مفاتيح سفارة المملكة في بغداد التي أغلقت لسنوات طويلة، ممثلاً لخادم الحرمين الشريفين وسفيراً فوق العادة للمملكة وشعبها، مصطحباً معه آمال العرب، في عودة وهج المربد وضجيج مهرجان بابل، مجدداً إلى بغداد، إحدى عواصمهم المجيدة ومنارات علمهم السخى ومرتكز اللغة والأدب والشعر، الذي تحول إلى بلد لا يعرفه أهله من هول المصاب.

ذهب ثامر بن سبهان الشمري، ابن الرياض إلى بغداد، وهو يعلم أنه حل حيث النخوة العربية الأصيلة والأرض المعطاء، ممعنا في تقليب صفحات التاريخ الإسلامي، ومركزا على ما فعلته معركتا القادسية واليرموك الخالدتان على أرض العراق والشام في عهد أمير المؤمنين العادل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) مُحطم القياصرة والأكاسرة ومطفئ نار المجوس، ومستندا على جولات وصولات قادة حربيين عظام، من أمثال: سعد بن أبي وقاص والمثنى والقعقاع وأبي عبيدة عامر بن الجراح وخالد بن الوليد ومعاذ بن جبل، الذين أرسوا تقاليد شامخة، أسهمت في تحويل المسلمين من سكان على هامش إمبراطوريتين، إلى قادة للبشرية ومُعلمين للإنسانية، تهابهم الأمم، رسخوا مبادئ المجد وأشعلوا جذوة ناره، فكان تاريخاً تليداً وبنيت حضارة يُضيء شعاعها ما بين الأندلس والصين.

لم يمض شهر واحد على وصوله لأرض الرافدين، فكانت صيحته العالية التي أطلقها في حي الأعظمية من داخل المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء والدعوة والإفتاء (لن نتخلى عنكم)، تلك الصيحة التي أصمت آذان الساسة المأفونين وبيادق شطرنج الفرس ممن تزعجهم وحدة التراب، وعراقة التاريخ وتنوعه الباهي، فدنسوا بأقدامهم القذرة تلك الوحدة الطاهرة من كركوك والموصل إلى سامراء ثم الفلوجة العصماء التي لم تنم منذ الاحتلال، وأرض النجف وكربلاء وذي قار والبصرة الفيحاء وحتى نينوى. أولئك الذين لا يدركون أن من يختزن التاريخ في طيات وجدانه، سيعي كل السيناريوهات، من رحلة الغبينة والانتقام، التي أرادوا لها أن تكون في العصر الحالي على الرغم من علمهم بفشلها، حينما بدأت منذ مئات السنين وأعاد إنتاجها رفسنجاني بحرب استمرت لثماني سنوات فقضت على اليابس والأخضر وأكلت مئات الآلاف من قطعان العجم التي سيقت إلى حتفها لهثاً  وراء تحقيق موطئ قدم في أرض العروبة المستعصية والمحرقة المشتعلة.

حرص السفير (الوزير) على إيصال رسالة المملكة من خلال النظر إلى كافة المكونات السياسية والمذهبية والعرقية العراقية بمنظار واحد، فاجتمع بالأكراد في إقليمهم وكبيرهم بارزاني، والتقى  ممثلي الأقليات من بينهم وفد من أبناء الطائفة الإيزيدية، ضم كلا من النائبة فيان دخيل والشيخ شامو شيخو وبعض وجهاء وشيوخ الطائفة، وأفراد من الطائفة المسيحية.

محطتان في مسيرته القصيرة في العراق لا يمكن تجاوزهما، التهديدات المتواصلة التي تلقاها إلى محاولة اغتياله، بعد تنامي نشاط الدبلوماسية السعودية على الأراضي العراقية واستعادة دورها المحوري الذي بات مثار قلق للإيرانيين، وهنا يقول الشيخ فاروق الظفيري: “السبهان يصعق إيران فتبدأ كلابها من المليشيات بالعواء”. ثم كانت مواجهته مع الاندبندنت التي اختلقت قصة ابن عم السفير (الداعشي)، فكان الاعتذار والتراجع والاعتراف بالخطأ من صحيفة كانت تصف نفسها بالعريقة.

ودع السبهان العراق وعاد إلى الرياض وزيراً، لكنه يدرك تماماً أن شعر أبي الطيب المتنبي والفرزدق سيكون حاضرا في العقول والقلوب، وأصداء قراءات الكبار من أمثال البياتي والجواهري ونازك والسياب والزهاوي والرصافي ستظل تتردد في النواحي والأرجاء، مذكرة بأن العراق سيعود لحضنه، ومع الرحمة على شاعره الذي قال…

سـلام عـلى هضبــات العــراق وشطيــه والجــرف والمنحنـى

                                  على النخيل ذي السعفات الطوال على سيد الشجر المقتنى

ســلام عــلى عاطــرات الحقـــول تنــاثر مــن حولــهن الثــرى

                                  ســـلام عــلى قمـــر فوقــــها عليــــها هفـــــا وإليهــــا رنـــــا

تلـــوذ النجـــــوم بأذيــــاله هفـــــت إذ هفـــــا ورنـــت إذ رنـــا

                                  كـــأن بهـــــا عالمـــــا واحــــداً تــلاقـــى وإن بعــــد المنتـــأى

حمزة السالم.. بين “الدروشة” والدنيا الجديدة

بروفايل - راشد فضل:

كتب مقالًا من جزءين، أثار الناس جميعًا، وحينما يجتمع الجدال حول المال ينهض “تويتر” مستيقظًا، وتضج منصاته طوال الوقت، يبدأ التنظير حول مصير التريليون والـ100 ..

كتب مقالًا من جزءين، أثار الناس جميعًا، وحينما يجتمع الجدال حول المال ينهض “تويتر” مستيقظًا، وتضج منصاته طوال الوقت، يبدأ التنظير حول مصير التريليون والـ100 مليون. هذا المبلغ المهول الذي لفت الانتباه، وأصبح محور النقاشات، دون أن يُجيب معظم المتداولين عن: هل رمى الكاتب بمعلومة مؤكدة، أم أنها اجتهادات أعقبتها استنتاجات. لكنها في الآخر نقلت الكاتب والأكاديمي إلى ساحات القضاء، بشكوى من الوزير محمد آل الشيخ الذي رأى في المقالتين إساءة لشخصه من خلال اتهامات وُجِّهت له، وفي كل الأحوال فإن اللجوء للقضاء نهج حضاري متقدّم.

لم يكن الاقتصادي الدكتور حمزة السالم، مكان اهتمام، ولا ظهور من قبل، لكنه ذات مرة لفت انتباه فئة محدودة، عندما شنَّ حربًا ضروسًا على قطاعات المصرفية الإسلامية، ولم يدرك الكثيرون شيئًا عن صاحب هذه الضجة المثارة حاليًّا، غير الإسقاطات التي تسرَّبت في محتوى النصوص، ثم جاء آخرون يقللون من معرفته بالاقتصاد، انطلاقًا من كونه يخلط بين (الاحتياطي المالي للدولة)، و(الأصول الاحتياطية لمؤسسة النقد).

ومهما يكن فإن السالم حاصل على الماجستير في إدارة الأعمال من أرقى جامعات أمريكا، واختير ضمن أفضل الطلاب ورجال الأعمال في أمريكا، فطبعت رسالتاه للماجستير في الاقتصاد والدكتوراه في تخصص الاقتصاد المالي الدولي، في كتاب من دار نشر ألمانية على حسابها، ووزعت على معظم الجامعات الأمريكية وتُباع في جميع أنحاء العالم.

قضى حياته الأولى، في مكة المكرمة التي درس فيها المتوسطة والثانوية، ونشأ في كنف والده الشيخ محمد السالم، الذي وصفه ذات مرة في مقابلة صحفية بأنه رجل زاهد جاور الحرم، وكان يوزع راتبه على الفقراء، ويرجع لأهله من غير مال.

وهو صاحب سيرة طويلة مختلطة، وربما لم تخلُ في ثناياها من تناقضات، اجتمعت فيها العسكرية والعلم الديني والاقتصاد الحديث، وحينما ترك العسكرية، وفضّل التبتل في الحرم ليعيد حياة والده في ممارسة الزهد، كان الذهاب إلى أمريكا مباشرة. لذا فإن تفاصيل حياته تشير إلى أنه مرَّ بتحوُّلات كبرى، شكَّلت توجُّهه الذي عليه حاليًّا. فهو بدأ من داخل المؤسسة العسكرية، حيث “الضبط والربط” حينما التحق بالكلية العسكرية عام 1402هـ، وتخرج منها ضابطًا في سلاح المدفعية، ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره، لكنه فيما يبدو كان في بواكير حياته يحلم بالمشاركة في تحرير فلسطين. ذلك الحلم الذي داعب خيال الكثيرين حينما كانت القضية تحتل مكانتها في عقول وقلوب الشعوب. هو ضابط والحراك حوله يمور، الجهاد الأفغاني في نهاياته، وحرب تحرير الكويت في قمتها، فانخرط فيها كضابط توجيه نيران المدفعية في الخفجي والكويت.

ودون مقدِّمات أقبل على العلم الشرعي، فتحوَّل مع الوقت إلى شيخ عسكري، منطلقًا من موقعه هناك على الحدود في مواجهة العراقيين متسلحًا بكبرياء وعقيدة قتالية دفعته إلى استعجال المواجهة مع الأعداء.

12 عامًا بكاملها قضاها في بحور العلم الشرعي، وحفظ أولًا القرآن الكريم كاملًا قارنًا الحفظ بالتفسير وعلومه، واتبع وصية شيخ الإسلام ابن تيمية في التدرُّج في طلب العلم، وطلب العلم بالدفتر والقلم، والكتابة على الآلاف من الأشرطة العلمية للشيخ عبدالله بن حميد، والشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين، كما أتقن علوم العقيدة من كتب ورسائل أئمة الدعوة النجدية، ثم درس أصول الفقه وعلوم الحديث من بطون أمهات كتبها ومراجعها كفتح الباري لابن حجر العسقلاني، والروضة الندية، وكانت معظم دراسته للفقه من كتب فقهاء الحديث.

جاءت القفزة الأكبر في مشوار السالم، بعد إنهائه دراسته العليا في قسم الدراسات الشرعية بجامعة أم القرى في عام 1417هـ، فكانت مرحلة الابتعاث إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسات العليا التي أراد بها عمه أن يخرجه من عالم “الدروشة” ــ كما ذكر في حوار سابق له ــ  وفي الدنيا الجديدة يقول: “هناك ومن منظار أعماق مفاهيم السلف رأيت حضارة عظيمة، تعجبت كيف أننا لسنا أهلها. وهناك وجدت نفسي وقد رُميت في محيط المال والأعمال الهائج، الذي  تُعدُّ كل موجة فيه فريدة من نوعها، “وهناك أقمت حلقات التدريس الشرعي وقمت بإمامة المسلمين في التراويح والتهجُّد، وهناك أدركت كيف يتصارع المسلمون في مسجد على النفوذ بتأويلات متنوّعة ففهمتُ صفين والجمل.

سَمْتُ “أبو رضا” المدهش

بروفايل- راشد فضل:

بخطوات الرياضيين ورشاقة حراس المرمى، وطوله الفارع وسمرته المميزة، تمرد على لعب الحارات، وضجيج “الهنداوية” وضيق شوارعها، فهام على وجهه يبحث عن مبتغاه ومستقبله مدفوعا ..

بخطوات الرياضيين ورشاقة حراس المرمى، وطوله الفارع وسمرته المميزة، تمرد على لعب الحارات، وضجيج “الهنداوية” وضيق شوارعها، فهام على وجهه يبحث عن مبتغاه ومستقبله مدفوعا بعشق داخلي يدير بوصلته، قادته خطواته لوحدها، ولم تتوقف الا أمام بوابات “الملكي” فكان العناق الحار ولقاء الرغبة الجامحة بالأمنية الغالية، لتنطلق رحلة  العمر التي بدأها غضاً طرياً في السابعة عشرة فامتدت إلى نصف القرن.

صاحب التميز أحمد عيد الحربي، طوال مشوار السنين، فكان حارسا بارعا وصل إلى خشبات الأخضر، ومارس إدارة الكرة من (ألفها إلى الياء)، مدعوما بتفوقه الأكاديمي الذي توجه بشهادة الماجستير من جامعة أمريكية، تزامناً مع رحلته العملية الموفقة، من وزارة البترول والثروة المعدنية إلى البعثة الجيولوجية الأمريكية، ثم مجموعة سجما، وحتى شركة التكامل الدولية.

دخل اتحاد الكرة، بحُسن سَمْته الذي لا تخطئه عين صحيحة، ذلك الذي قيل إذ ما يُسِر للعبد يظهر عليه علانية، السمت الذي لا سبيل إلى التماسه بدون إصلاح القلب، وبهيئته ووَقَارِه الباذخ سار على الطريق بالظن وليس بسوئه وهَيّأَ وَجه الكلام الطيب بعيدا عن الخبث، وكان العمل المتواصل عنوان مرحلته، أخفق في بعص الأحيان، نعم ، جامل مرات ربما.

هذا القلب الكبير وتلك الابتسامة الدائمة، تكفلان لأبي رضا أن يكون نموذجا في التسامح الرياضي، وعنوانا بارزا لأن تكون الأخلاق الرياضية، مطلبا في كل الخلافات. ستضمه سجلات التاريخ كأحد رواد أهلية كرة القدم الحديثة في المملكة، شاء من شاء وأبى من أبى، كونه نال شرف أن يكون أول رئيس اتحاد للكرة يأتي عبر الصندوق. وكان الرابح الأكبر بلا منازل، في كل معاركه التي واجهها وخرج منتصرا بحالة الصفح التي تعتريه، حتى أنه حينما تعرض لانتقاد حاد من أحد رؤساء الأندية، وأدت الحادثة لتأويلات مسيئة، بقي هو مدعوما بوقوف الجميع لجانبه في قضيته التي انتهت بغياب الطرف الآخر عن المشهد الرياضي تماماً.

تحلى بأخلاق رفيعة وأدب جم، وحاول أن يتعامل مع الجميع من مسافة واحدة وعندما سرقت الشاشات لحظة تسللت فيها من عينيه دمعات (خضراء) خلسة وبلا شعور معلنة عن فرح لا محدود وعشق متغلغل في الروح والدم، مرتين، تارة لحبه الأصغر وأخرى في سبيل الانتماء الشاسع. استكثر عليه العذال ولا نقول الحاقدين، أن يبكي، ففي الأولى قالوا لماذا الأهلي؟ وهم  يدركون معنى (ما الحب الا للحبيب الأول)، حينها رد العاشق بقوله: “كانت دموعي دموع وفاء وفرح وتعبير عن النادي الذي تربيت فيه وأنا عمري 17 سنة، وأنا حاليا في الستينيات من العمر، والأهلي هو بيتي وعشقي الرياضي”. أما في المرة الثانية فقد قال الظانون ظن السوء انه “يُمثل”، مع أنهم يدركون أن حب الوطن شيئا أكبر من سامٍ.

يلملم عيد أوراقه لمغادرة مكاتب الاتحاد، والأخضر يخطو بموثوقية نحو تحقيق حلم العودة للمونديال، بعد أن سبقه الأخضر الشاب قبل أيام الى تحقيق الوصول، يسلم منصبه والمسابقة الأولى “الدوري السعودي” ثاني أغلى مسابقة كروية على مستوى العالم، بعد الدوري الإنجليزي بقيمة تسويقية وصلت إلى 22 مليون يورو. وقبل كل ذلك يمضي إلى سبيله وهو قائد أول دورة للاتحاد جاءت بالانتخاب.

في وجه العاصفة

بروفايل - راشد فضل:

من قلب أرض الموارنة والأرثوذوكس اليونانيين والمسيحيين من الروم الملكيين الكاثوليك، هبط ابن ترشيش القادم من قمة جبل لبنان، بفطرته الدينية السليمة ثابتًا ومرتفعًا بمواقفه، ..

من قلب أرض الموارنة والأرثوذوكس اليونانيين والمسيحيين من الروم الملكيين الكاثوليك، هبط ابن ترشيش القادم من قمة جبل لبنان، بفطرته الدينية السليمة ثابتًا ومرتفعًا بمواقفه، عند مبادئه، بوعي وفكر ومشروع متكامل ينتظر التنفيذ. تمكَّن من الوصول إلى مبتغاه حينما استطاع أن يثبت اسمه كواحدٍ من أهم المفكّرين الإسلاميين المعاصرين، وأبرزهم إلمامًا وإتقانًا بمدوّنة التراث الإسلامية. مثقفًا كامل الدسم لا يُشَق له غبار، متسنّمًا أعلى مدارج المعرفة، ومفكّرًا يجمع بين ثنائية العلمين، الديني والمدني، متجاوزًا للصغائر والضغائن. سخّر مخزونه العلمي الطاغي، وإجازاته العلمية في إنتاج كتب ودراسات، وكتابات ومقالات سياسية وفكرية تناقش همَّه الأول، الواقع العربي وعلاقات المنطقة، وتطوّراتها ومستجداتها مستصحبًا إيران دائمًا.

عبر رحلة بحثه الطويلة التي امتدت منذ ولادته في عام 1949م، ومرورًا بالقاهرة، حيث نهل العلم الديني في الأزهر، ثم محطة الفلسفة الواسعة بجامعة توبنغن الألمانية حائزًا منها على الدكتوراه، ظل مهتمًا بالقضايا الفكرية الكبرى التي تشغل أهل المنطقة. ناقش أزمة الفكر السياسي العربي مع زميله بلقزيز، والأمة والجماعة والسلطة كدراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي، وكتب عن مفاهيم الجماعات في الإسلام من منظور السوسيولوجيا التاريخية، واستعرض الجماعة والمجتمع والدولة، وتناول الإسلام المعاصر بنظرات في الحاضر والمستقبل، ثم توقف عند العرب والإيرانيين والعلاقات العربية الإيرانية في الزمن الحاضر.

هذا الأزهري القُح، رفض أن يكون رجل دين بإمكانيات محدودة، لثقته في نفسه، واستطاعته أن يُسهم في العمل الاجتماعي والعلمي العام، خاصة أن تجربته في أوروبا في مرحلة الدكتوراه أو حين عمله في جامعات الأوروبيين، اكتشف أن الدراسات الإسلامية شديدة الهول في أوروبا وأمريكا، ويمكنه أن يُسهم فيها بتصحيح الرؤية إلى الإسلام، سواء على مستوى المجتمع العربي أو المجتمع العلمي الغربي.

منذ وقتٍ باكر تناول العلاقة بين العرب والإيرانيين، وقدَّم روشتة لم يلتفت إليها أحد، حينما نادى بالتفكير في الجيوب الإيرانية الباقية أو المتكوّنة بسورية ولبنان، مدركًا المحنة الكبرى التي يواجهها العرب من المحيط للخليج بين التدخلات الإيرانية والأمريكية والإسرائيلية، ومحاولات تضييع الانتماء والمصالح الإستراتيجية، بالاندفاع نحو الأطراف الكبرى المؤثرة الأخرى، من الغرب والشرق، وفي تارات أخرى نحو إيران!

هو صاحب طرح المشكلتَين الكُبريَين (دون منازع)، الجيواستراتيجيا، وعلاقة الجوار والثقافة والتاريخ والمستقبل، ومشكلة الوعي بالدين ووظائفه ومقتضياته الاجتماعية والسياسية. ويعتبر أن (الأمة) ضربت في الصميم من خلال الإستراتيجية المتصلة بالجغرافيا والتاريخ والثقافة والمذهب.

استصحب المفكر اللبناني البازخ كل فسيفساء بلاده وخرج نظيفًا من التموضع، لكنه وقف بصلابة وقوة في وجه العاصفة، لهذا نجح في الخروج بقراءة متقدمة للعلاقة بين العرب والإيرانيين في الزمن الحاضر، وأجاب عن تساؤلات من (عيّنة) هل صحيح أن القومي والجيوإستراتيجي يمكن أن يغلبا على الثقافي والديني ويستخدماهما لصالحهما؟ وماذا عن الموجة التاريخية الرابعة من الصراع بين العرب وإيران؟، واستطرادًا بين الشيعة والسُّنة، وكيف اشترك الكبار في روسيا والصين والهند والولايات المتحدة وبريطانيا في فترة التسعينيات في مكافحة التيارَين الإشعاعيين الكبيرين؟.

لا يمكن المرور بسيرة مفكّر في قيمة رضوان السيد، دون التوقف في محطة المقال الأشهر (الحملة على الإسلام.. والحملة على العرب) الذي أشعل به حربًا فكرية، حينما هاجم ثلة من المفكرين ورموز التنوير في العالم العربي من أمثال أركون والشرفي وطرابيشي والعظمة، وأودنيس والهوني، ومعهم آخرون لم يُسمّهم أرادوا اجتراح إصلاح ديني، ورغبوا في تحطيم الإسلام السُّني – كما رأى -.

ليس غريبًا على السيد أن يكون وحده مَن يستذكر أن الإيرانيين حينما أنجزوا اتفاقهم النووى عام 2014 مع الأمريكيين وبقية أعضاء مجموعة (5+1)، أقبلوا على “شكر” أولئك الذين ساعدوهم في الوصول إلى ذلك الاتفاق “التاريخي” كما سمّوه؛ فبدأوا بـ”حزب الله”، ثم سمُّوا عددًا من الدول بينها روسيا والصين. ونسوا بقية أصحاب الفضل.

في الوقت الراهن.. ينظر إلى الجاري حاليًّا ضد حلب والموصل، على أنه حلقاتٍ في سلسلة تمضي من طهران إلى بغداد إلى دمشق وبيروت وغزة واليمن. ورأسُ الحربة في العملية كلّها طهران، وقد كسبت لها روسيا الاتحادية، وحيَّدت الولايات المتحدة بوعيٍ أو بتقدير إستراتيجي مختلف.

صوت من الجبال

بروفايل ـ راشد فضل:

من بين الأنجم الزواهر في سماء السعودية، وموسوعات المعرفة المتحركة بين الناس في أنحاء أرضها الزاخرة، وقائمة الرجال الفاعلين في دعم حراك الدولة، المسلحين بخبرات ..

من بين الأنجم الزواهر في سماء السعودية، وموسوعات المعرفة المتحركة بين الناس في أنحاء أرضها الزاخرة، وقائمة الرجال الفاعلين في دعم حراك الدولة، المسلحين بخبرات العلم والعمل العام، جاء بإسهاماته الضخمة من أكثر المناطق ارتفاعا وجمالاً وخضرة ونضرة، حيث اعتدال المناخ وتعدد المواسم والمحاصيل وأشجار الرمان والخوخ والتفاح البلدي والتين البري والعنب، فكان صوته عاليا كصوت سكان الجبال.

عند أعلى القمم كانت صرخته الأولى التي تردد صداها بين جبال السروات من نطفاء، إلى نهران والصهلاء، تعلن بقوة عن مولد صبي سيكون له فيما بعد شأن. وفي مركز محافظة بلقرن، وعاصمتها التجارية “ديار” أبو زيد الهلالي سبت العلايا كتبت شهادة ميلاده وانطلقت أقدامه في حركاتها الأولى، يلهو بين حقول الذرة الرفيعة والقمح والشعير.

جمعت تربيته بين رقة المكان وطبيعته الساحرة، وصرامة العسكرية التي تشرب تعاليمها من مرافقة الأب، فكان بحق مهندساً للسياسة وسياسياً مهندساً، صعد إلى الدبلوماسية في أبرز تجلياتها، من تعقيدات المركبات الكيميائية ومعامل مصافي النفط، متسلحاً بدراساته العليا في الإدارة من جامعة ستانفورد وبخلفية تجارب ثرة في الداخل السعودي اكتسبها من تنقلاته الكثيرة في معية الوالد الضابط فتوزع تعليمه الأولى بين مكة والرياض، قبل انطلاقته في عوالم الخارج الفسيح بحثاً عن الاستزادة بالتعليم العالي في سبعينيات القرن الماضي حتى وصل إلى جامعة ولاية أوريجون.

في منصات الأمم المتحدة حيث تختار البلدان أبرز أبنائها وألمع دبلوماسيها جاء الرجل يحمل مكتسبات محطته السابقة في قيادة البعثة السعودية، من على جانبي الحدود الثقافية بين أوروبا الجرمانية واللاتينية، وبلاد تحتضن المنظمات والمقرات الدولية، من بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي.

تزامنت فترة رئاسته لبعثة المملكة في المنظمة الأممية، والعالم يمور بصراعات عنيفة، والساسة منشغلون بملفات الصراعات التي كادت أن تشعل حرباً عالمية منطلقها المنطقة العربية، فكان الرجل صاحب صولات وجولات، مدعوماً بلسان ينطق لغة فرنجة رفيعة، وحضور طاغٍ، وكارزما متميزة غطتها شهرته وتجربته المعروفة مع الصبر والتحمل. أنصفته ذات مرة صحيفة “نيويورك بوست” الأمريكية حينما وصفت مناكفة الجعفري مندوب سوريا بالأمم المتحدة، له في موقعة التصويت على مسودة قرار يرصد تفاصيل انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها سوريا وإيران وكوريا الشمالية ، بالعرض المسرحي الهزيل. وكان صعوده عبر وسائل الاعلام بتصريحه الشجاع حينما أكد استعداد السعودية لخوض المواجهات الدبلوماسية ضد إيران ومن هو أخطر منها من أجل حقن دماء الشعب السوري. ثم جاء أسفه الذي أعلنه أخيرا، من تصويت مندوب مصر لصالح مشروع القرار الروسي بشأن الأزمة السورية.

 

من الجنوب إلى باريس

بروفايل - عبدالعزيز الزهراني:

من الجنوب، حيث لا تشير البوصلة أبدًا، وإلى باريس، حيث البوصلة لا تغيب أبدًا، حين يسأل المرء عن الثقافة والفنّ ومجامع العلوم وأكاديميات الزمان والكهول ..

من الجنوب، حيث لا تشير البوصلة أبدًا، وإلى باريس، حيث البوصلة لا تغيب أبدًا، حين يسأل المرء عن الثقافة والفنّ ومجامع العلوم وأكاديميات الزمان والكهول الذين لا يشيخون. مضى الفتى الجنوبيّ، بسمرة في الوجه، ولكنة على اللسان، مارًا تحت أروقة السوربون، حاضرًا مجامع علم الأدب والاجتماع و”الجمال”، مصافحًا دريدا، ومفكّكًا بعض لغته إلى العربية التي تبدو في زمان يفكّكها بالمطل، ولا يعللها بالوصل.

ولكأنّ باريس تأبى إلا أن يعود، رغم ال”رقص” الذي قدّم في صحرائه هنا، ورغم انفعالات الحضور في محاضرة واثنتين، ورغم سكون الناقد الأكاديمي، الذي لم يدخل ضمن لعبة المثقف المترفع عن المجتمع، بإطلاق الإحكام من شرفة مكتب الجامعة أو نافذة المقال في صحيفة تهب المال مقابل الكلام، رغم كل ذلك، وبوداعة عاد الفتى إلى باريس، متسنّمًا رأس الطاولة، في اجتماع معهد العالم العربي، مديرًا هذه المرة، كما كان من قبل مترجمًا وضيفًا ومحاورًا، في أرفع منصب في المعهد الذي يشغل رأسه الآن وزير الثقافة الفرنسي.

من قائد سيارة أجرة بباريس، حين كان طالبًا، وإلى الإشراف على كرسي الشاعر والروائي الكاتب والوزير غازي القصيبي، بجامعة اليمامة، مرورًا بالترجمة في حقول الأدب والاجتماع، وإنشاء مجلة والإشراف على أخرى، في وطنه مرة، وفي قبرص أيضًا، كما هو متبدٍ في مجلة “دراسات شرقية” الأشهر، ثمّ عضو لجان للترجمة والتأليف وغيرها. أبًا لفنّانة، وأستاذًا في جامعة، وكاتبًا لرواية، ومنجزًا لعمل نقديّ استحقّ عليه الجائزة الأولى قبل أعوام من نادي الرياض الأدبي، ومشاركًا ضمن عشرات المؤتمرات والبحوث والمحاضرات، بلغته أو لغة الغريب الذي منحه دال المعرفة.

وبين الكلمات الناقدة بهدوء، والمحاضرات الهادئة بنقد، تنقل معجب الزهراني. صحيح أنك لا تلمحه في كل صفحة، وكل واد، إذ لم يزاول الشعر علنًا بعد، برغم رقصه الذي بدى طروبًا في أول إيقاعاته. لكنه لم ينزلق نحو فخّ الشهرة أو التشهير، باعتبار باريس محطة المحطات، ومنفذ الدخول لكل دائرة استعراض ثقافية، يذكر اسمها البعض، أكثر مما يذكر اسمه، أو يطنطن بروايته اليتيمة، كما لم يفعل من قبل جويس أو ماركيز أو ابن باريس الجميل: سيلين.

يُمضي الآن معجبُ وقته بمدينة العطر والنور، بين دروب مدينة أدمنت فلاشات الضوء، وتفليشات السياسة والإرهاب، غير ناسٍ أبدًا، أن الجنوب هو الأصل، ولو تنكّرت له البوصلة أو رياح الزمان.

لماذا ناهض حتر؟

بروفايل- راشد فضل:

لم يكن حادث اغتيال الكاتب اليساري الأردني ناهض حتر (1960- 25 سبتمبر 2016)، حدثاً عادياً يعبر كأخبار حوادث القتل والموت التي أصبحت سمة ليومنا هنا، ..

لم يكن حادث اغتيال الكاتب اليساري الأردني ناهض حتر (1960- 25 سبتمبر 2016)، حدثاً عادياً يعبر كأخبار حوادث القتل والموت التي أصبحت سمة ليومنا هنا، جراء الحرائق المشتعلة في أجزاء كثيرة من هذا الشرق المأزوم، حتى أصبحت المعارك والمجازر عنواناً طبيعيًا لم يقف عند حد الأخبار؛ بل تعدى إلى المشاعر الإنسانية، فهو حادث صاحبته كثيرًا من التداعيات، وضحيته رافقت مسيرته المهنية والفكرية، قضايا أثارت الجدل حولها.

النظر بعدسة زوايا الحدث ينبئ عن عدم تقدير من كل الأطراف؛ فالضحية خانه التبصر الذي عادة ما يصاحب دارسي الفلسفة، وهو أحد الحائزين عليها بدرجة الماجستير، كما لم تشفع له إسهاماته الأساسية في دراسة التكوين الاجتماعي الأردني، في القدرة على القراءة الصحيحة لواقع المجتمع الذي يعيش فيه، وإلا كيف لمثله أن يستفز مجتمعًا مسلمًا في قلب عقيدته.

“حتر” الذي يستند إلى عمق معرفي واطلاع موسوعي أنتج ما لا يقل عن 15 كتابًا ومئات المقالات والدراسات والمشاريع السياسية؛ لم يكن مضطرًا لإثارة ما أثاره؛ فقد أخطأ حين قرر نشر رسم يسيء (للذات الإلهية) كأنه لم يقرأ جيداً حكايات “الكاريكاتيرات” السابقة التي جاءت من خلفيات وثقافات من خارج المنطقة، وأراد بها أصحابها إهانة الدول والمجتمعات الإسلامية، ولم يستوعب ردات الفعل القوية.

في كل المراحل التي سجلت كسقطات على ناهض، كان القانون حاضرًا، وهو ممتثل له، لذا؛ فإن أخذ الحق بالقوة واليد – في المقابل- جرم استفز العقلاء فسارعوا إلى إدانة واقعة الاغتيال، بدءًا من الحكومة الأردنية التي استنكرت الحادثة، وأكدت أنها والأجهزة الأمنية والقضاء ستحاسب من اقترف هذه الجريمة النكراء، وأنّ القانون سيطبق بحزم على من قام بهذا العمل الآثم. وكذلك رد المؤسسة الدينية الرسمية، كما رفض حزب جبهة العمل الإسلامي جريمة القتل، وتجاوز القانون، مؤكدًا أخذ المؤسسات القضائية والأمنية دورها.

الغارات والبراميل المتفجرة التي تستهدف الأبرياء والأطفال يوميًا في سوريا، لم تثن حراك ناهض تجاه التقارب مع محور (بشار- إيران- روسيا).  ولم يكتف بالتأييد عبر الكتابة والمواقف الفكرية عن بعد، بل زار دمشق مرارًا في أوج الحرب، وسعى لعقد لقاءات كثيرة مع النظام السوري، والمسؤولين الإيرانيين وصولًا إلى موسكو.

كما دافع عن حسن نصر الله، الأمين العام لـ “حزب الله” المصنف إرهابياً، ولم يترك إساءة حتى كالها للمعارضة السورية.

وعلى الصعيد الفكري، جعل “ناهض” من نفسه عدواً للحركة الإسلامية في إطارها العام، بكل تفرعاتها واتجاهاتها، وجاهر في مرات عديدة بموقفه المناهض بشدة للفكر السياسي الإسلامي في الأردن. لذا؛ فإن ما يدفع إلى الاعتقاد بأن اغتياله جاء نتيجة لمواقف فكرية وعداء لتوجهاته السياسية، ليس بالأمر المنطقي بتاتًا، كونه، منذ زمن بعيد، يتخذ تلك المواقف المعادية، لكن عدم التقدير سيد الموقف.

وشْوشَة الأب الحكّاء

بروفايل - عبدالعزيز الزهراني:

تشبه مقالاته الحميمة مصافحة صباحية للقراء، وابتسامته في اللقاءات، أو عبر صوره على الشبكات الاجتماعية، احتضانًا أخويًا أبويًا، يقول لك، إن الحياة فكرة، وأن التطوّع ..

تشبه مقالاته الحميمة مصافحة صباحية للقراء، وابتسامته في اللقاءات، أو عبر صوره على الشبكات الاجتماعية، احتضانًا أخويًا أبويًا، يقول لك، إن الحياة فكرة، وأن التطوّع لتطويع كل عقباتها، هو أسمى ما يمكن أن نجتاز به هذه الحياة الفكرة.

نجيب الزامل، هذا الآتي من هوى الشطّ الشرقي، عبورًا بكل البلاد التي عبر، مؤديًا رسائل المحبة التطوعية، وبناء البناءات اللاتنهدم بمعاول الزمن العتيّة.

ولو قدّر لك يومًا، أن تجلس إزاءه، فتسمع الضحكات عن قرب، وتأخذ الطُرف عن أذن، لرأيت وسمعت عجبًا. سيخبرك عن رحلة إلى الصومال، قبل عشرين عامًا، وعن مثلها إلى الفلبين، عن مسجد “نورة الصالح”، وعن الطبيبة النصرانية، التي قدمت لمشفى تابع للمسجد أدوية تحمل شعار الهلال وكلمة “Good Light”، إشارة إلى الاسم البهيّ أعلاه. وستبصر حكاية في كلّ بلد.

ينذر نجيب، نفسه للكلمات الـ تواسينا، ليس في مآسينا، فحسب. بل وللكلمات التي تخلق لنا عالمًا من إخاء يعبر القارات ومساحات الدول، ولا يؤمن بلون الجواز، أو ما يكتب في خانة التعريف السياسي أو الديني. تريد جرعة أمل: مرّ يومًا على أي أرشيف يتبعه اسمه، وستجد كثيرًا من حكايا تحكّ الروح، وتهبك نبع أمل يماشيك الطريق.

تنقل نجيب بين أكثر من صحيفة. لكن قراءه ثبتوا في المتابعة. يكشف صريحًا، ما يكنّه سرًا أي قريب. يكتب مرة عن تركه للصلاة، وعن الصلاة التي لا تغيّر العالم، بل تغيّرنا، لنغيّر نحن هذا العالم. يكتب مذكراته من على سرير التعب والرهق، فتجيء محمّلة بدلالات الأمل، لكأنما كاتبها يكتبها من منتجع في جزر شمسية جميلة وباهظة البهاء.

لم ينضو يومًا إلى فئة الشيوخ، لكنك ستجده متصدرًا مجالسهم، يحكي عن قضايا التجربة في العمل التطوعي والكتابة والفلسفة، ولم يعلن القرب من رهط الثقافة الذين تشدّقوا بها في كل محفل، لكنهم يعرفون أي رقم هو في الكتابة السلسة الممتنعة، هذا الفتى الشرقي، المغرم بالحديث عن أمّه والفلسفة.

قد يكون للكاتب كثيرٌ من رؤى، يبدو فيها أستاذًا، ومربيًا، ومنظّرًا، ومتعاليًا حينًا، ومغالطًا أحايين أخر. لكن أن يكون الكاتب، أخًا كبيرًا، أبًا، يلمّ شعث الحكايات ليلقي بها بين يدي الصباح والتجربة، فحينها يلزمك حتمًا، أن تقرأ نجيب الزامل.

رجال صنعوا التاريخ

بروفايل - عبد العزيز الزهراني

لكأنما تنقص الأمة أوجاع أخرى. ها هو صبري الدمرداش، يغادر، حاملًا معه حقبة وحقيبة من الاهتمام بالإعجاز القرآني والعلم الحديث. المؤلف الذي قدم في كتابه ..

لكأنما تنقص الأمة أوجاع أخرى. ها هو صبري الدمرداش، يغادر، حاملًا معه حقبة وحقيبة من الاهتمام بالإعجاز القرآني والعلم الحديث. المؤلف الذي قدم في كتابه “للكون إله”، ملخصًا بديعًا، لما يمكن أن يكونه “بروفيسور” طرق تدريس العلوم الطبيعية، ومرتبطًا بالآن نفسه، بآيات القرآن الحكيم المعجزة والمبهرة.

“زويل الخليج”، كما يقول عنه البعض، ظهر مرارًا وتكرارًا على شاشات تلفزة الخليج. ولمع اسمه كمحاور، اشتغل باحتراف على رموز الفكر العلميّ الإسلامي، فقدم وكتب حلقاته الجميلة حول كل من “المعلم الثالث: ابن سينا، و”أبو الطب العربي: الرازي”، و”إمام النباتيين: ابن البيطار”، و”الحكيم الثاني: ابن النفيس”، والجاحظ وغيرهم، من ثلة علماء “ورجال صنعوا التاريخ” –كما كان اسم برنامجه-، والذين انضوى هو اليوم، إلى ركابهم، ركاب العلماء الراحلين، بعد أن تركوا بصمة آثار واضحة، لمسيرة أمة معطاء، ترزؤها ضربات معول الفقد المتتالية.

ولم يكتف الدمرداش، أستاذ الطبيعة المنفتح على كل العوالم، بأن كتب عن علماء أمته، بل سعى إلى أن يقدم صورة أشمل للرجال الذين صنعوا تاريخ العالم علميًا، فكتب عن “رجل الجاذبية: نيوتن”، وعن “شيخ المخترعين: أديسون”. و”أبو التطور: داروين”، و”أبو النظرية النسبية: آينشتاين”، ومؤسس علم الوراثة: مندل”، رفقة علماء آخرين، من حضارات شتى، وأحقاب تترى، أغنوا تراث الإنسانية بمعين لا ينضب من العلم والرؤى.

عشق الدمرداش الكويت. وعشقته الصحراء الأكثر حرارة. نعته الكويت، والكويتيون، كما لو كان أحد أبناء الصحراء الذهبية. كان هدية النيل للصحراء. درّس أجيالًا، واستكمل على شاشات الخليج، مسيرة الكبار الذين أتوا من مصر أو عبروا بها يومًا: الطنطاوي والشعراوي والنجار وغيرهم، من جيل كانوا أساتذة حقًا، لا تحدّ دروسهم أبواب قاعات المحاضرة الخاصة، ولا يتتلمذ عليهم سوى الذين في كشف الحضور، أو من تحددهم وتحدّهم قوائم الجامعة.

وقدم برنامجه الشهير “أمم أمثالكم”، عن عالم الحيوان، رفقة عشرة كتب عن هذه المخلوقات التي تشاطرنا كوكب الأرض، وكتبًا وحلقات عن النبات، وحوارًا حتى مع النمل –أحد كتبه الجميلة-، وفي نفس الآن، مقدمًا أجزاء وسلاسل منها للناشئة.

حصد قريبًا من سبع جوائز تقديرية دولية، واهتمامًا من محبّي العلم والفكر، وربطهما مع جذور هذه الحضارة العظيمة. ولعل في هذا بعض عزاء عن رحيل القامات الكبيرة، في زمن يتبدّى أن التعويض فيه عسير، ويتطلّب الكثير من الريّ والرؤية والرويّة.

مضى وَضِيئًا بوضوئه

بروفايل - راشد فضل

رحل وترك في الأوساط تلك الابتسامة الوضيئة التي ستظل تحتفظ بتفاصيلها الدقيقة صورة ملامح وجهه الودود المنتشرة في صفحات الصحف المختلفة، غاب والمجتمع الرياضي في ..

رحل وترك في الأوساط تلك الابتسامة الوضيئة التي ستظل تحتفظ بتفاصيلها الدقيقة صورة ملامح وجهه الودود المنتشرة في صفحات الصحف المختلفة، غاب والمجتمع الرياضي في قمة الحاجة لرجال من أمثاله خدموا بكل صدق وبعيدا عن الضجيج والبطولات المزيفة، وعملوا على نشر قيم التسامح والتصافي بين الناس، فكان أن اجتمع الكل حول هذه الإسهامات الفعالة، التي أصبح مسعود رمزا ونموذجاً صادقا لها، هذا إلى جانب كونه رئيساً ذهبياً بحق وحقيقة وذلك على صعيد الإنجازات الكروية الصاعقة التي ارتبطت بفترات رئاسته للاتحاد. حيث يعد أكثر رئيساً تحقيقاً للبطولات في قطب الغربية وعميد الأندية.

خلفيته الإدارية القوية التي جاء منها إلى الرياضة، كونه رجل أعمال وإداريا ناجحا، وتنقله في الأعمال، مكنته من أن يقود أحد أبرز الأندية على مستوى المنطقة والقارة، خلال ثلاث فترات بحنكة ودراية أفرزت بطولات متنوعة، كان أبرزها فترة رئاسته الثانية، التي استمرت لمدة ثلاث سنوات من 1419 إلى 1422هـ، حقق من خلالها الاتحاد إنجازات قياسية بثمان بطولات من بينها بطولتان خارجيتان. كل هذه الإنجازات لم تأت صدفة، فهو رجل تمرس إدارياً، فقد بدأ مسعود حياته العملية في شركة بترومين بالرياض ثم انتقل إلى مدينة جدة ليعمل مديرًا لمكتب وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق الدكتور أحمد زكي يماني. وبعد تقاعده تفرغ للأعمال الحرة وشغل وظيفة العضو المنتدب لشركة التلال، وعضو مجلس إدارة مؤسسة الراجحي المصرفية للاستثمار.

وسط الكلمات الكثيفة التي تدفقت بعفوية من أفواه آلاف المعزين والنعاة، توقفنا عند أحدهم قال عنه: “رجل إذا قابلته لأول مرة تحبه لتواضعه وأخلاقه الرفيعة، رحمك الله يا عم أحمد مسعود وأسكنك الفردوس الأعلى”. خرجت هذه الكلمات الصادقة من لاعب محترف في الفريق لم يمض على انضمامه للاتحاد سوى شهر أو أكثر، هو المصري كهربا الذي اكتشف خلال هذه الفترة الوجيزة صفات الراحل، فما بالكم بالآخرين.

ليس غريباً أن تكون آخر كلمات رجل مثل أبو عمر، قبل وفاته وهو في المستشفى “سامحوني” فقد كان رمزاً للسماحة والمسامحة، وخدمة الآخرين والسعي للخير، فهو صاحب نشاطات خيرية واجتماعية ضخمة، أوصلته يوما ما إلى رئاسة مجلس إدارة جمعية البر الخيرية بجدة.

رحم الله أحمد مسعود، الذي رحل إلى ربه بوضوئه، فقد استيقظ فجراً ليتوضّأ لصلاة الفجر، وبعد الوضوء شعر بوعكة مفاجئة، على إثرها تم نقله بالإسعاف إلى أحد المستشفيات القريبة من معسكر الاتحاد المقام بتركيا.. ثم فاضت الروح لبارئها.

طبّ القلوب أولى

بروفايل - عبدالعزيز الزهراني:

كأن طبّ القلوب أولى. هكذا يقول عبر منهجه ذائع الصيت الآن. ترك شهادتين ، الأولى بكالوريوس في الطبّ عمومًا، والثانية في تخصص الجراحة من جامعة ..

كأن طبّ القلوب أولى. هكذا يقول عبر منهجه ذائع الصيت الآن. ترك شهادتين ، الأولى بكالوريوس في الطبّ عمومًا، والثانية في تخصص الجراحة من جامعة بومباي، ليتفرغ لإلقاء الدروس، ونشر الدعوة على مدار عيادة مفتوحة، تحدها أقطار العالم.

ألقى محاضراته في كل من أمريكا وبريطانيا وكندا وماليزيا وسنغافورة والإمارات والسعودية والفلبين وهونج كونج وأستراليا، وبالطبع بلد شيخه ديدات: جنوب إفريقيا، وتذكر شيكاغو بمطلع شهر أبريل، لعام ألفين للميلاد، كيف دوّت أصداء محاضرته الشهيرة “القرآن والإنجيل في ضوء العلم “. متجاوزًا رقمًا يقدّر بألف محاضرة متعددة المواضيع، ومتحدة الهدف: حوار كل آخر كان، باستحضار شواهد دينه غيبًا، وترداد مأثورات معتقده ارتجالًا، بما يثير الحفيظة والإعجاب.

وعليه، فإن آية قرآنية، يتلوها الشيخ الطبيب ذاكر نايك، سوف تكون مسبوقة برقم تسلسلها السوَريّ، واسم سورتها، وكذلك شواهده من كتب الآخرين.

وفي بلد يتجاوز سكانه المليار نسمه، مزدحمًا بالناس والشهرة والرقص والنجوم البوليوديين وعوالم الإنترنت والتقنية، حاز ذاكر نايك، مرتبته ضمن أهم عشرة معلمين روحيين على مستوى القارة الهندية، وضمن قائمة المائة هنديّ الأكثر تأثيرًا، كان ترتيبه 82، علمًا بأنه كان المسلم الوحيد في القائمة، عبر استفتاء أجرته “إنديان إكسبريس”، في عام 2009م.

أسس مؤسسة “البحث الإسلامي” في الهند، وأدار مشاريع دعوية متعددة، وتبث محاضراته عبر قنوات تتجاوز المائة قناة، وبعضها يعود لملكيّته، مما حدا بالراحل الكبير، ديدات، أن قال مرة: “ما فعلته يا بنيّ في أربعة أعوام، استغرق منّي أربعين عامًا”.

وكالعادة، نموذج كهذا، لمن قد اطلّع على بعض محاضراته، وشهد ملامح الانفتاح على مستوى اللغة، حيث يقدم محاضراته بإنجليزية طلقة، أو على مستوى الزيّ، حيث البدلة الأوربية والكارفيتة لا تفارق “كوفية” الشيخ، ورغم كل هذا، تشنّ الصحف المناوئة ربما لأي نجاح قد يحسب لداعية شهير، مرة بكونه ممثلاً لداعش، المجهضة توًّا من رحم الغرب، أو بكونه أنموذجًا قاعديًا في أحايين أُخر. وما يزيد الأسف، أن تكون بعض هذه الصحف، صادرة من بلدان عربية، ومن بلاد الحرمين، مرةً، حدث ذلك.

أترى هذه الجموع، من القارة الأم آسيا، الآتية من الهند والبنغال والباكستان وسيرلانكا والفلبين والصين، أتريد ما يجمعهم مرة؟ استأجر ملعب كرة قدم، يتسع لمشجعي أكبر نادٍ، وادع ذاكر نايك، ليلقي محاضرة، مطرزة بالارتجال والحفظ والبديهة، ثم اترك الرقم بعد ذلك، لعالم الإحصاءات، تسجل أهدافه في مرمى قلوب المستمعين بالإنجليزية، واستمع إليه، يخاطب الذين أمامه، أيًا كانت القبلة التي استقبلوها في آخر صلاة: أخي، أخي.

هذا ما فعله ذاكر نايك، وما سيذكره له تاريخ طويل من الدعوة والعمل، عبر عيادات القلوب والأبدان.

(عفاش).. الشاويش القادم من رحم التناقض والصدفة

بروفايل- راشد فضل:

من بين التشعب والتداخل والتناقض الهائل الذي سيطر لسنوات في مجريات الأحداث، ومن خلفية الصراع الممتد، كان الصعود والزعامة (الوهمية) للمخلوع علي صالح، الذي فوت ..

من بين التشعب والتداخل والتناقض الهائل الذي سيطر لسنوات في مجريات الأحداث، ومن خلفية الصراع الممتد، كان الصعود والزعامة (الوهمية) للمخلوع علي صالح، الذي فوت على نفسه فرصة أن يصبح (زعيماً تاريخياً) بحق وحقيقة، حينما اختار إعادة إنتاج تجربته، من خلال إدارة كل الملفات التي كونت رحلة اليمن، بما فيها من حروب أهليّة وداخلية، وصراعات عنيفة، ومؤامرات، وتحالفات، بعيداً عن ملايين المكونات التي ساهمت في تشكيل النهج السياسي والجيوسياسي لليمن الحالي.

من يقلب صفحات رحلة (الشاويش)، الحياتية التي امتدت إلى 74 عاماً و5 أشهر، يجدها لم تخرج من إطار الصدفة والتناقض وفي أحيان أخرى الحظ، منذ أن ترك مهنته الأولى كراع للأغنام في قريته بسنحان، إلى آخر خطاباته أو ما عرف تندراً بـ(الشقيقية الكبرى). جرى التمرد في دم علي بداية من حالة الانقلاب التي قادها على حياة القرية منتقلاً للجيش، ومن هناك اشتغلت رافعات الحظ تباعاً لتضعه على أول عتبات سلم الصعود السريع، من مدرسة صف ضباط القوات المسلحة، إلى المشاركة في أحداث 26 سبتمبر، والقفز من صف الضباط إلى حيث الضباط أنفسهم، بالترقي لرتبة ملازم ثان، ودوره خلال “حصار السبعين”. وكانت القفزة إلى عالم متقدم لم يحلم به ، بفرصة التخصص في حرب المدرعات، ومنها تولى مهمات قيادية في مجال القتال، حتى 1975م، حينما اجتمعت التراجيديا بالكوميديا في مشهد جسد انتقال الشاويش إلى قيادة لواء تعز ومعسكر خالد بن الوليد ليصبح من أكثر الشخصيات نفوذاً باليمن الشمالي.

قصة اعتلاء المخلوع للسلطة عبرت عن قمة التناقض والصدفة، فقد جاء بعد مراحل اغتيال لحقت بشخصيتين سبقتاه في الترتيب، فقد قتل إبراهيم الحمدي وشقيقه في ظروف غامضة، ثم خلفه أحمد الغشمي في رئاسة الجمهورية لأقل من سنة واحدة، قبل أن يتعرض للاغتيال في مكتبه بالقيادة العامة للجيش في 24 يوليو 1978، والذي كان بمثابة الإعلان عن فصل جديد في تاريخ اليمن، فشكل المدخل الأساسي لتحول صالح من رجل النظام القوي، إلى النظام نفسه، مستثمراً الأجواء “الوطنية” إثر اتهام اليمن الجنوبي بقتل الرئيس الشمالي، وأصبح الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية. ثم يأتي صالح لينجو من الاغتيال لاحقاً .

لم يخرج مشوار صالح عن حدود التناقض والحظ ابداً، بين “اعتبارات” رئيسية أو “معطيات”، فقد فشل انقلاب فلاح في أكتوبر 1979، لانعدام الغطاء الجماهيري، ومنح المخلوع فرصة ذهبية لتعزيز دكتاتوريته بالاعتمادة على المقربين من أسرته في إدارة الجيش والمؤسسات الأمنية، ويقرب أبناء منطقته ويدخلهم الجيش والوظائف الهامة، ويمنح المخلصين من ذوي الكفاءات والبعيدين عن الطموح الكثير من المناصب العسكرية والأمنية والمدنية.

وخلال رحلة الرئاسة الطويلة بتشابكاتها الأمنية والعسكرية والاجتماعية، تمكن من إعادة تدوير سيرته الذاتية وفقاً لمعطيات المرحلة، في مرات عدة، مثل ثعبان يبدل جلده في كل مرحلة، ومن بين المسرحيات السياسية الكثيرة التي أجاد إخراجها، واقترن التناقض فيها بالصدفة، أن يصبح أول رئيس يمني ينتخبه الشعب في انتخابات مباشرة في1999، حيث  دخلها ضد مرشح وحيد بعد أن رفض البرلمان كل المرشحين الآخرين، وقبل أخيراً نجيب قحطان الشعبي نجل الرئيس الجنوبي الأول، والذي كان عضواً في المؤتمر الشعبي العام لينشق ويترشح ضد صالح. وكذلك إعلانه في حفل بمناسبة الذكرى 27 لتوليه السلطة نيته عدم الترشح لانتخابات الرئاسة في 2006  لتخرج المظاهرات الشعبية (المفبركة) وحملات جمع التواقيع (المصنوعة)، ثم يعود صالح ليعلن قبول الضغوط الشعبية لإعادة ترشيحه مجدداً ليفوز بفترة رئاسية جديدة.

كثيراً ما اضطر صالح للمناورة بين الألغام التي ساهم في زراعتها، أو تلك التي زرعت له، مستثمراً التناقض في كل الأحوال، لكنها لم تتجلى من قبل كما هو المشهد الحالي لتصعد إلى أعلى صورها، متمثلة في تحالفه مع الحوثيين، وهو الذي لم يدخل عاصمتهم “صعدة” وما يحيط بها إلا كعدو، لتبرز أكبر التناقضات التي تشكل حياة الشاويش (علي) في المشهد المأسوي الذي أوصل إليه اليمن حالياً، فقد حارب الرجل المتمردين الذين يقاتل معهم 6 مرات فيما عرف بـ (حرب صنعاء وصعدة) حينما كان رئيساً.

في كل ما ذكر غابت (الحقيقة) عن قاموس صالح وواقعه، لكن بقيت حقيقة واحدة تمثلت في اللقب الشعبوي الذي أطلق عليه أخيراً، فحين البحث عن المعنى في معظم معاجم اللغة العربية، يدرك المتلقي، أن اليمن أصل العرب – كما قالها يوماً الملك عبد الله بن عبد العزيز- وأن الحكمة يمانية، و(صالح) هو فعلاً (عفاش).

في كل مكان وكل ساحة

بروفايل - عبدالعزيز الزهراني

هذا الذي جاء إلى التعليم متأخرًا – بثمانية أعوام دلف إلى المدرسة -، يجيء الآن متقدمًا، وبشوط كبير، في مجال الكتابة السياسية. متنقّلا، بين صفحات “الرأي”، ..

هذا الذي جاء إلى التعليم متأخرًا – بثمانية أعوام دلف إلى المدرسة -، يجيء الآن متقدمًا، وبشوط كبير، في مجال الكتابة السياسية. متنقّلا، بين صفحات “الرأي”، يكتب الحياة السياسية في “الحياة”، رغم محاولات الترويض والإيقاف، وبعد أن كان في الرياض، يكتب لـ “الرياض” سنين عدداً.

ومن ثورة 23 يوليو، التي يتربع تلاميذها اليوم على عرش مصر، وإلى دراسة “الوهابية”، فتحت له جامعة كاليفورنيا أبواب التعليم العالي، في طرقات المدينة الصاخبة: لوس أنجلوس، ليخرج بشهادتين، في علم الاجتماع السياسي، وبمزيد من أصالة أكاديمية، يواصل تأصيلها داخل أروقة الجامعة التي ابتعثته –الملك سعود- وتحت أروقة شرفات الصحافة التي مكنته أستاذًا قديراً، للكتابة السياسية الرصينة والمنصفة.

كل نشرة، يأخذها مزيد من الجدية المعقدة، يهرع إليه المذيع، ليقول ما لا يقوله كتّاب السياق العادي، ومجاراة الواقع المزاجيّ، في ظل تنام مهول في ركبان الذين امتهنوا “التحليل” السياسي، ولو كان لأعتى المحرّمات.

ومن عضوية تحرير “مركز الدراسات الفلسطينية” الرصين، إلى شَغْلِ منصب أستاذ زائر في معهد كارنجي الدولي للسلام، بالعاصمة الأميركية: واشنطن دي سي. ومن شاشة إلى صفحة، تقلّب خالد الدخيل، في كثير من الرؤى، ثابتًا في كثير من الآراء.

تلمحه مرة، يعقّب على مقالة للكاتب المصري فهمي هويدي –مثلاً-، فتلمح تقدير ذوي العمق. ورغم اختلاف “الرؤية”، إلا أن الظلام لم يجد طريقه هنا. ويكتب ضدّ ما يخالف سياسة المسؤول، لكنه يبدو كتربيت على كتف القريب، لا كصفع من كفّ الغريب.

لم تشغله الأكاديمية عن الكتابة الأسبوعية الدورية في أكثر من جهة. ولم تأخذه الكتابة إلى منحى شعبوي، يكتب ما يريده الجمهور أو مسيّروهم، فمضى دائمًا، غير دخيل على كلا المهنتين.

ورغم كونه يكتب تعريف نفسه بتويتر، بلغة إنجليزية، ويرميه الشانئون بكونه ميّالاً أكثر مما يجب لـ “كعبة الحضارة” -كما قال يومًا عن أميركا-، إلا أن هذا لا يمنع أن يكون هو هو، “في كل مكان، وكل ساحة” بحدّ توصيفه عن مكانه، وحدّ ما يتوجب على مطالعيه، قولهم عن مكانته.

أكثر من حياة

بروفايل - عبدالعزيز الزهراني:

ليس من عجب أن يكون هناك تحديث تلقائي، للموجز المختصر عن حياة سندي. ذلك أن تلاحق “البراءات”، وشهادات التنجيز الإبداعي، لا تتوقف. وأن عروض كبريات ..

ليس من عجب أن يكون هناك تحديث تلقائي، للموجز المختصر عن حياة سندي. ذلك أن تلاحق “البراءات”، وشهادات التنجيز الإبداعي، لا تتوقف. وأن عروض كبريات الجامعات المعرفية ومراكز البحث والاستشارات بالعالم، لا تتوقف أيضًا.

في منهج أميركي، في جامعة حكومية بولاية نيويورك، كان التالي: كتاب مروّج، لأبرز سير الطامحين، كان في البدء، رمز أميركا الجديد، المتوج تقنيًا: ستيف جوبز، ابن اللاجئ السوري الذي وضع بصمته، لتحلّ في بصمة كل مستخدم هاتف أو تقنية تتبع فروع “التفاحة” التي لم تسقط.

وكان أيضًا، هوكينق ستيفن، المقعد الذي يقف العلم احترامًا له على قدميه. وشخصيات ليست كثيرة. منتقاة بعناية، ومرسومة على مهل التأمل. وضمن تسلسلها الإبداعي، بدت سيدة محجبة، تبتسم بلطافة وتقول: مرحبًا، أنا حياة سندي.

وهذا ليس باعتيادي. أن تكون ضمن منهج، في جامعة، تتبع لأحد كبرى دول العالم، وفي باب يختص بالذكاء الإبداعي والطموح، وحتى لا يتهم أحد، مؤلف ما بالمحاباة، فإن الكتاب المذكور، يتبع للمؤسسة العريقة “ناشيونال جرافيك”.

خرجت حياة سندي يومًا من مكة. من خيالات الطفولة المكيّة، جسّرت ضفاف واقعها، ومضت في دروب شاركها السير فيها يومًا: الرازي والخوارزمي وابن الهيثم وابن سينا. ثلة من علماء، علّموا الدنيا، أن العلم أولًا، وأن الأمر بالقراءة، كان فاتحة الدين الأكمل على مرّ العصور.

مرّت حياة بأروقة المجامع العلمية الأزهى: كامبريدج. ناسا. هارفارد. اليونسكو، وسانديا لاب. ودُعيت أربع مرات للمشاركة في مركز “وايزمان انستتيوت” الإسرائيلي في تل أبيب، وفي كل مرّة، كان سلاح العالِمة: أن ليس من تطبيع مع العدوّ أبدًا.

“الإخلاص والجدية”. ذلك ما تلخص به حياة، حياتها. من درّست اللغة العربية في البنوك الإنجليزية، لتغطي مصاريف دراستها، تتنازعها الآن مصارف العلم، أيها يحصل على حسابها المعرفي، كي تكون غلّة الودائع، كما هو الحال بالمعرفة، فوق الوصف والثروة والخيال.

الفراج.. بدأ “الجولة” بثلاجة فصار هدفًا

بروفايل - مصطفى غليس :

تصدُق مقولة “الإبداع يولد من رحم المعاناة” على حالة وليد الفراج، الطفل الذي دفعته الظروف لبيع المشروبات على مدخل سوق شعبي في مدينة الدمام وهو ..

تصدُق مقولة “الإبداع يولد من رحم المعاناة” على حالة وليد الفراج، الطفل الذي دفعته الظروف لبيع المشروبات على مدخل سوق شعبي في مدينة الدمام وهو في الثالثة عشر صار اليوم من أشهر أعلام المملكة العربية السعودية، مبدع تفرد بإسلوبه ليكسب قلوب الملايين، على مستوى الوطن العربي.

لا يجد الفراج حرجًا وهو يستذكر أمام محبيه على الهواء مباشرة، في سنابات متتالية، ظروف والده الصعبة في الثمانينات، وحاجة وليد الطفل ذي الذهن المتقد للمال ليعين والده في نفقات البيت ويواصل مشواره التعليمي في الوقت ذاته.

وجد وليد الثلاجة التي استخدم مثيلتها لحفظ المياه المعدنية والمشروبات الغازية وتسويقها في موقع تصوير، فاغتنم الفرصة ليبعث برسالة إيجابية للمجتمع الذي يعيش فيه، ويعلي من شأنه بإن ثمة حلول “مهما كانت الصورة قاتمه”.

يغرد الإعلامي المخضرم بقناعة لـ”يسقط الإحباط” فيتفاعل الآلاف مع تغريدته النابعة من إحساس يقظ، ويؤكد أنه جنى من تجارته الصغيرة قرابة 9 آلاف ريال، وما أحوج شبابنا للتفكير بمشاريعهم الخاصة وما أكثرها هذه الأيام، بعيد عن الاتكالية، التي يحاول وليد قشع غشاوتها ونفض غبارها من على جلابيب شباب المملكة كما هو ديدنه في برنامجه “أكشن يا دوري” المذاع يوميًا على شاشة “إم بي سي” رغم تخصصه في الرياضة.

قبل أن يبدأ “الجولة” في لاين سبورت عام 2010 محققًا أعلى نسبة مشاهدة، كان الفراج من أوائل الصحافيين الذين دخلوا الكويت لحظات التحرير الأولى كمراسل إخباري مع الجيش السعودي، وقبلها أيضاً، وبعدها، عمل لأشهر الصحف المحطات الإذاعية والفضائية على المستوى المحلي والعربي، ممارسًا العمل الإعلامي بكافة أنواعه وأقسامه.

كبر الفراج وكبرت معه أحلامه وطموحه الذي غذاه بالمثابرة والجهد. حصيلته الضخمة من الخبرات جعلته هدفًا للعديد من المؤسسات الإعلامية العربية، وأين صار اليوم؟ كلنا نعرف وهو أيضًا يريد لنا أن نضاهية شهرة ويشجعنا على ذلك فليست الشهرة حكرًا على أحد دون آخر،

اكتشف عدد كبير من نجوم العمل الإعلامي السعودي حاليًا عبر تحويل أسماء رياضية سابقة أو شابة مغمورة إلى إعلاميين بارزين يعدون اليوم الأبرز في الساحة في التحليل الرياضي والتقديم والتعليق ومراسلي الميدان.

لوليد اليوم ملايين المتابعين، وله أيضًا استثماراته الخاصة، فهو مدير لإحدى أشهر شركات الإعلام الجديد ويرأس تحرير أشهر البرامج الرياضية على مستوى الشرق الأوسط، وما يزال بجعبته المزيد لأنه لم يفقد سلاح المثابرة والطموح حتى اللحظة.

بيليه الصحراء العربية

بروفايل: عبد العزيز الزهراني

من حي البغدادية، قلب عروس البحر الأحمر: جدة، الزاهية بالشطآن والأصداف والنوارس، شعّ بريق جوهرة العرب السمراء: ماجد عبدالله. لينطلق منها إلى ميادين، لا تعرف ..

من حي البغدادية، قلب عروس البحر الأحمر: جدة، الزاهية بالشطآن والأصداف والنوارس، شعّ بريق جوهرة العرب السمراء: ماجد عبدالله. لينطلق منها إلى ميادين، لا تعرف غير “النصر”.

أن تلعب الكرة، لا لتعدو وتعادي، لا لتُمتع وتستمتع، بل ولتُتعب راصدي الأرقام القياسية في كل مباراة. أي حقبة ثمانينية مجنونة شهدتها بلاد الصحراء الذهبية، في وقت لم يكن الإعلام هو الإعلام، ولا الرصد والقنوات ولا الاشتراكات التي تزيد كل يوم بطولة وثمنًا وتشفيراً. واسألوا الصين وإيران، فعندهما الهدف اليقين.

يختلف الكثيرون حول تتويجه فردًا فريدًا، في ساح الملاعب، ومرمى التهديفات الأكثر حسمًا، لكنهم يتفقون، أنه منذ ولى، سيّد البطولات القارية، و”النصر” غير النصر، والمنتخب، لم يعد “منتخبًا” بما يكفي، لتمثيل دولة ووطن، أدمن جمهوره هتاف الفوز، ليس إلا.

تحب كرة القدم؟ يجب إذًا، مهما كان انتماؤك الكروي، أن تحب “بيليه الصحراء العربية”، حتى لو كان بعض من وهج تاريخه، تمزيق شباك فريقك المفضل. من يحب الكرة للمتعة، سيحبّ لاعبيها الأساطير، حتى لو كانوا يومًا، صانعي دمعاته في النهائيات المخلدة في ذاكرة الأعداء والعشاق على حدّ سواء.

ارتقى ماجد عبدالله كثيرًا، وأغضب كثيرين، أبرزهم: جماهير الفرق المنافسة، حرّاس المرمى الذين وقعوا صريعين إثر أهداف حاسمة ونجلاء، السكان المحيطون بالملاعب: أي وغد هذا الذي يكشف بيوتنا والمدينة، كل ارتقاء مجنون.

استفتاءات كثيرة، تجريها مواقع رسمية، وأخرى بغرض الجمهور والدعاية، تختلف رؤاها ومقاصدها، لكنها تتوحد حول أولويته، بأن يبقى رقمًا صعبًا، لا يُكسر، في تاريخ الكرة العربية.

بن سعيّد .. أن تعرف أكثر

بروفايل - عبدالعزيز الزهراني:

لعل الإعلام ليس تخصصا في الجامعة فحسب، أو مجرد مصدر دخل عبر صحيفة أو قناة أو وسيلة إعلام جديد. إنه أكثر من ذلك، قد يكون ..

لعل الإعلام ليس تخصصا في الجامعة فحسب، أو مجرد مصدر دخل عبر صحيفة أو قناة أو وسيلة إعلام جديد. إنه أكثر من ذلك، قد يكون أسلوب حياة، ونمط عيش كامل. هذا ما ستشاهده بنفسك، حين ترى تغريدة، ينقلها لك طائر الحرية الأولى في الشرق الأوسط: تويتر، موسومة بأحد هاشتاقات التوعية التي يقودها إعلامي، متخصص في مجاله، يحمل اسم: أحمد بن راشد بن سعيّد، ومتبوعة بمئات الأرقام من المشاركة والتعقيب، وكأنه وفي مماهاة للراحل الكبير، سيد الرواية ماركيز، لو كتب سيرته الذاتية، لجعل عنوانها: عشت لأُعْلِم.

هل يمر عليك الخبر، ليحمل خبرًا فحسب، إشارة لمستجدّ، أو تنويهًا لنبأ؟ كلا، بل وليحمل مضامين كثيرة، لما وراء الخبر وقبله وما بينهما، ستجدها مفندة مفصلة “مفككة” في حساب برفسور الإعلام، العائد من بلاد أنتجت فيلم “خطاب الملك”، بشهادة دكتوراه متخصصة في “الخطاب السياسي”، قبل ربع قرن من الآن.

ورغم كل هذا، رغم أن الإعلام بحر شطآنه بعيدة الشطط، وأنه قد يتصور للبعض، أن “بن راشد” لا يبارح الشاشة، متابعة وتفنيدًا وتحصيلا وتصليحا، رغم كل ذلك، ستجد من المؤلفات والدراسات والبحوث والترجمة، ما يوازي الأربعين، منشورًا ومشاعًا عبر دور النشر والشبكات، وستجد أيضًا، القصيد العربي، بهزله وجده، بقامته ومقاماته، ومئات من المقالات والقالات المنثورة في ربى الشبكات.

ردود صارمة. تحويلات وتحليلات، تثير الجدل. أصبح مثار دراسةً حينًا، ومقالات أحيانًا. صدر عنه كتاب وآخر. وحقًا، الظاهرة تستحق تدوينًا، ولكن ما يستحق التدوين أكثر، هو ما يجعلك تؤمن، أنه اختلفت أو أسعدك الاتفاق مع “بن سعيّد”، أن لدى المرء قيمًا، وأمة، ووعيًا جمعيًا، يجب أن لا يكون عرضة لكل “نكرة”، جاء يومًا، ليجعل من “المعرفة” الزائفة، سبيلًا إلى هدم وعي الناس، وتغييب الحقيقة المرة عما يحاق بهم، ولو كان شعاره “أنت تعرف أكثر”.

جنرال برتبة سفاح

بروفايل- راشد فضل

ارتبطت صفة الوحشية، بالحيوانات المفترسة، لكن هناك من البشر من استطاع التفوق بجدارة بوحشيته علي أشرس الكائنات بكل المعايير والمقاييس المعروفة. وإن كانت  البشرية مرت ..

ارتبطت صفة الوحشية، بالحيوانات المفترسة، لكن هناك من البشر من استطاع التفوق بجدارة بوحشيته علي أشرس الكائنات بكل المعايير والمقاييس المعروفة. وإن كانت  البشرية مرت خلال العصور المختلفة بنماذج من الشخصيات التي لا يمكن وصفها إلا بالشيطانية، ولا يذكرها التاريخ إلا بوحشيتها وقسوتها المفرطة التي خلفت وراءها المئات من الضحايا الأبرياء. فإن الجنرال سيء السمعة المعروف بقاسم سليماني، هو بلا شك من بين تلك النماذج، من خلال جهده القبيح الممتد من اليمن للعراق عبر ممارسة الميليشيا التي زرعها في كل مكان ويديه المنغمستان في أوحال القتل والدمار ودماء الأبرياء. التاريخ لن يغفر للقتلى والسفاحين ممارساتهم وأعمالهم البشعة ضد الأبرياء، فهي مدونة في صفحاته، فحين يمر عليها المطلعون يجدون اسم الرجل الإيراني ضمن سجل أشهر السفاحين ومصاصي الدماء، من فلاد الولاشي الثالث الذي اشتهر بـ(دراكولا)، ثم جيل دو ريس ذلك النبيل الفرنسي، الذي يعتبره البعض نواة أو مقدمة وجود القاتل المتسلسل العصري، حتى السفحات من النساء من أمثال القديسة جون دارك، والكونتيسة الدموية الملكة ماري الأولي والتي أحرقت 300 من شعبها بتهمة الهرطقة، والقائمة تطول في كل العصور.

سيرة الجنرال المولود في العام 1957 بنواحي كيرمان الإيرانية، سيئة ومليئة بالحروب والقتال والدماء، فهي تؤهله أن يكون سفاحاً بامتياز، فقد أشاح عن وجهه القاتل مرات عديدة كان أبرزها في عام 1999 عندما اندلعت ثورة الطلاب في عهد الرئيس الإيراني الأسبق خاتمي، فقد كان سليماني واحداً من 24 قائداً في الحرس الثوري هددوا في رسالة الرئيس، بأنه إذا لم تتصد الحكومة لحراك الطلبة فإن الحرس الثوري سيفعل ذلك، وسينفذ انقلاباً ضد الرئيس نفسه. قبلها كان قد شارك في الحرب العراقية الإيرانية في أوائل عام 1980، قائداً لفيلق (41 ثأر الله) وعمل في مهمات في أفغانستان ، وفي عام 1998 تم تعيينه قائداً لـ (فيلق القدس) خلفًا لأحمد وحيدي، وفي 2011 قام المرشد الأعلى علي خامنئي بترقية سليماني من لواء إلى فريق في الحرس الثوري، كل ذلك والرجل لا يحمل سوى شهادة الثانوية العامة.

عرّاب وحامل لواء مشروع التمدد الإيراني الخبيث في المنطقة العربية، على الرغم من أنه يحمل صفة (إرهابي) الا أنه يتولى بأمر من المرشد مسؤولية إدارة لعبة المؤمرات على أعلى مستوياتها، وفلسفة زرع الشقاق، ونشر القتل والدمار، يبعث الرجل الخفي كعادته سفيراً علنياً لكل سياسة النظام الإيراني التوسعية والعدائية ضد أبناء الشعب العربي في لبنان وسوريا والعراق واليمن والآن بتهديد دولة عربية مستقلة هي مملكة البحرين.  أليس هو من وصفته التقارير الموالية له بأنه (يعرف سوريا وكأنه ولد فيها، ويعرف جيداً العراق أيضاً) ويعتبره البعض القائد الفعلي لميليشيا (حزب الله اللبناني).

رجل الظل الغامض والعابر للحدود من لبنان إلى العراق مروراً بسوريا إلى اليمن في مهمة حماية (البيادق) تلك الأذرع الإيرانية من قادة ورجال سياسة في منطقتنا العربية

يبدو أنه قد مل لعبة الخفاء، وخيّل له غروره الطاغي أنه الآن قائداً ليس له مثيل أو شبيه في المنطقة جمعاء، فبدا متحوراً لابساً غير ثوبه لكنه مطرز وملون بالدماء ورسومات القتل والتقطيع والتشريد والتهديد والوعيد. رحلة قائد (فيلق القدس) نحو البحرين، خرج من طور شخصية (كيسر سوزي) في فيلم (ذي يوجوال ساسبكت) الذي كان في كل مكان لكن بدون أن يظهر ولو مرة،  إلى حيث العلن، ومن الطموح الذي وصفه يوماً السياسي العراقي صالح المطلق بدهشة عالية حينما قال عن الرجل:  إن كل الاشخاص المهمين في العراق يذهبون لرؤيته. إلى طموح أن يسعى إلى السلام عليه كل المهمين في المنطقة العربية ، ها هو الآن يصدق لغو حواره الداخلي مع نفسه، ينثر لغة الدماء والقتل واشعال النيران، ويحشر أنفه في شأن داخلي معلقاً على قرار مملكة البحرين بإسقاط الجنسية عن البحريني عيسى أحمد قاسم ، ويقول مهدداً ليس لدى السلطات في المنامة تقديرات صحيحة عن مدى غضب” الشعب، معتبراً أن التعرض للشيخ قاسم “خط أحمر يشعل تجاوزه النار في البحرين والمنطقة”. ولم تقف بجاحة الرجل عند هذا الحد وأضاف: إن هذه الممارسات لن تُبقي خياراً للشعب إلا المقاومة،  مهدداً ب(انتفاضة دامية) وكأن يديه لم تتلوثا بدماء الأبرياء أبداً .

رهان الجنرال السفاح، على الظهور والتصريحات يحاصره فشله ويسقطه، حتما سيعود مجدداً للكهوف لقيادة ممارسات الميليشيات القذرة، وعبور الحدود بالظلام، وجمع الموالين سراً لتنفيذ المهمات الخبيثة كعادته في مواجهة الشرعية، لأنه فاشل في اللعبة السياسية النظيفة، سيغادر ملعب العلن إلى الخفاء، تطارده لعنات تصريحات سابقة قالها دون أن يكشف عن خبثه: حينما قال للأمريكيين “أتمنى أن تكونوا قد نعمتم بالسلام والهدوء في بغداد، لقد كنت مشغولاً في بيروت”. وتصريحه الأخر خلال إحدى إطلالاته النادرة جداً، حينما كشف صاحب اللحية الضلالية ، في يناير 2012 في غباء واضح عن مدى تمدد نفوذه، وقال: إن إيران متواجدة في جنوب لبنان والعراق”، قبل أن تقر طهران تحت نظر المجتمع الدولي ومن يمر أجدتها ، بإرسال مستشارين عسكريين لمساعدة النظام السوري في مواجهة مقاتلي المعارضة المسلحة. واستمر في عنجهيته وصلافته وجلافته حينما اعتبر في فبراير الماضي، أنه “لا قوة باستثناء إيران قادرة على قيادة العالم الإسلامي اليوم.. نظراً لدعم إيران للحركات الثورية والإسلامية والمقاتلين، وكذلك دفاعها عن المسلمين من المعتدلين”.

دلوني على برنامج المدينة

بروفايل: عبدالعزيز الزهراني

بصوته الحماسي، وهو يتلو قصيدة لوليد الأعظمي، الشاعر العراقي الراحل، من على منبر، في مسجد يكتظ بالشباب، الذي ليس له من منفذ، سوى الكلمات والسماع، ..

بصوته الحماسي، وهو يتلو قصيدة لوليد الأعظمي، الشاعر العراقي الراحل، من على منبر، في مسجد يكتظ بالشباب، الذي ليس له من منفذ، سوى الكلمات والسماع، وحتى الآن، وهو يحتل رقمًا صعبًا، يفوق فيه عدد متابعيه، رواد الشهرة الأولى بالعالم: اللاعبين والفنانين ورؤساء الدول، وما زال الباب مفتوحًا لكل هذا القرب من الجمهور.

سلمان العودة، وتجيء الكلمات الفصيحة، المشيخة المعجونة بالأدب، الأدب في معنييه، السلوكيّ واللفظيّ، كاتبًا طفولة قلب، تلامس قلوب الكهول، ونازفًا عبر المقال والشريط سابقًا، حرارة الكلمات التي تودّ أن تقول: هيا بنا، لننهض يا أخي. على حد تعبير “سيلين” عن الكلمات الحيّة.

تغيّر.. هكذا قال كثيرون، وردّ: ومن ذا الذي لا يتغيَّر؟.. قرأ ليف أولمن، سيدة مهرجان “كان”، وأسطورة بلجيكا الهوليودية، وهي تقول “أتغيَّر”، كفعل مضارع مستمر، وعاش هو تجربة التغيّر هذا.. محتفيًا بالكتاب، وتجربته، هو الذي كان مناط أمره، شرح عمدة الأحكام، والتأمل فيما خطّ ابن تيمية أو أبو الأعلى المودودي، كما كان يقوله مناوئوه، الذين تجاهلوا هذا التغيّر لصالح التجربة والشيخ والبلد.

احتفى بالذين كانوا يومًا أعداءً.. عانق فيهم شظايا مرحلة ولّت من الحماسة والتجربة، مضت عاصفة المقالات ولعلعة الأشرطة، وجاءت حرارة المودة وأبيات القصائد الموزونة بالعاطفة، واحتفى به الذين كانوا يومًا يصوّبون نحوه رماح النقد، ليلقي محاضرة تاريخية، في نادي جدة الأدبي، يحضرها كل أولئك الذين كانوا “يحظرونه” من قبل.

كلّ وقتٍ، وأينما أُتِيح لك، افتح صفحة برنامج جديد، وستجد الشيخ الباسم أمامك، يغرّد بذكر في (تويتر)، يطلق فتوى في (فيس بوك)، يحكي قصة في برنامج البثّ الحيّ، يسامر شبّانًا على رصيف حي جنوب جدة، في (سناب شات)، هذا الذي لم يكن له يومًا ما منبر واحد، يملك الآن كل هذه المنابر.

(مناحي) في كل المناحي

المسار - بروفايل ـ عبد العزيز الزهراني:

بقرابة خمسة ملايين متابع، وعقد خامس يكاد يكتمل، يواصل “مناحي”، التردد على كل المناحي؛ بدءًا من الضحك، وانتهاءً بمشاركة الهمّ والوجع، لأولئك الذين أبعدتهم الحروب ..

بقرابة خمسة ملايين متابع، وعقد خامس يكاد يكتمل، يواصل “مناحي”، التردد على كل المناحي؛ بدءًا من الضحك، وانتهاءً بمشاركة الهمّ والوجع، لأولئك الذين أبعدتهم الحروب والقضايا.

بأكثر من شخصية، وأكثر من اسم، وبمسلسلاتٍ عدة، لم يسلسله أحد منها، عكْس فناني الكوميديا الآخرين، الذين سلسلتهم مسلسلاتهم لسنوات، حتى تحوّل ضحك الجمهور أحيانًا لعبوس.

فايز المالكي، اسم يفوز كثيرًا في عالم الكوميديا، لدرجة أن بعضهم يرى هذه “الكثرة” أكثر مما يجب، وأن مروّجها أقلّ مما يستحقّ، لكن الحكم يعود أولًا وآخرًا إلى المشاهد الذي يواصل انتظاره لفايز، كل موسم أو فيلم أو حافلة تعبر بتردد على شوارعنا، المملوءة بالمطبات والتحويلات.

في السهول المنبسطة، للقرى الجميلة “بني مالك”، جنوب الطائف، خرج الفتى بضحكة واسعة وطموح أوسع. واضعًا شماغه على كتفه حينًا، لينقل على الكتف الثانية، هموم الكادحين في المدن الكبرى، بسخرية تضحك، وجدية تبكي أحيانًا، ومضى الفتى، حتى وازى القرب من الشهرة اللامعة، فكاد المعجبون يقولون: لقد أخذته الأضواء والسيارات الفارهة التي تأتي كهدايا حقيقية الآن، بعد أن كانت السيارات المهترئة تجيء كتمثيل وحكاية.

اختارته منظمة الطفولة العالمية “اليونيسيف” سفيرًا للنوايا الحسنة عام 2009، لكنه في عام 2012 قدّم استقالته، بعد أن رأى حجم الفرجة الكبيرة من قِبَل المنظمات العالمية على أطفال سوريا، الموزعين على شطآن العالم ومنافيه.

فايز، يعود أبدًا، سفيرًا لكل المتعبين. هذه المرة، كان وجهًا لوجه، أمام البنوك، يطالبها بأن تسقط القروض عن أولئك الذين نذروا أنفسهم لحماية البنوك والذين يخزنون أرصدتهم فيها، لكن البنوك يبدو أنها تأخذ كثيرًا، وتعطي قليلًا، ولا تسمع أبدًا.

المغامسي..  من التفسير إلى التفسير

بروفايل: فايز الغامدي

قريبًا من (بدر)، حيث التقى الجمعان، وُلد الفتى صالح عواد المغامسي، وترعرع في أكناف نخيلها الباسقة، يحدّق في ثمرها إذا أثمر، ويصغي إلى هدوء المكان ..

قريبًا من (بدر)، حيث التقى الجمعان، وُلد الفتى صالح عواد المغامسي، وترعرع في أكناف نخيلها الباسقة، يحدّق في ثمرها إذا أثمر، ويصغي إلى هدوء المكان وسكينته، الأمر الذي انعكس على ملامح وخطاب (المفسِّر) الشهير لاحقًا.

اقترب المغامسي من القرآن كثيراً، وقرّب أكثر.. وفي الوقت الذي شاع فيه تفسير الأحلام، انشغل الشيخ بتفسير القرآن، حتى أصبحت دروسه وحلقاته مقصداً لآلاف الحاضرين، معيدًا بذلك صورة ارتسمت سنوات طويلة كان فيها الشيخ (الشعراوي) ملء السمع والبصر.

يندر أن ترى المغامسي لا يَبكي، أو يُبكي، وتلك صفةٌ، وإنْ كانت تدل على رقةٍ في الفؤاد، إلا أنها لم ترقْ لكثيرين اعتادوا على مظهر (العالم) الوقور، الذي لا ينبغي أن يظهر عليه أي انفعال، يقلل من قدره وقيمته أمام طلابه.

وبرغم ما يمتلك الشيخ المغامسي من جماهيرية عريضة ومنابر إعلامية مؤثرة، إلا أنه لم يشاغب التوجهات العامة للدولة، فكان الناصح الأمين الهادئ الذي لا يحاول أن يذهب بخطابه إلى مساحات ملتهبة، وإن فعل ذلك فهو لا يفعله إلا مثنياً أو مباركاً أو داعياً، إلا أن هذا النهج لم يرق لمراقبين، رأوا في ذلك مثلبة وعيبًا، في حين اعتبره آخرون منهجًا يجدر بالآخرين السير فيه.

لم يكن الشيخ (المسالم) بمنأى عن سهام النقد والاتهام، ففي أول احتكاك بالرأي العام، انتفض معارضوه في حملة إقصائية تهدف إلى إزاحته عن مقعده الذي استأثر به -زمناً- في قلوب محبيه.. ما دفعه، وهو الذي اشتغل زمنًا بتفسير القرآن، إلى تفسير آرائه ومواقفه الفقهية هذه المرة، متصدياً لسيل جارف من التهم والتصنيفات التي حاول الابتعاد عن الخوض في غمارها كثيرًا، ولكنها جاءته على طبق من (جمر).

البرجس.. المستشار اللاحق

بروفايل: عبدالعزيز الزهراني

من رحاب الشاطئ الشرقي، المخضّب بالملح والنفط والثروات، نبغ المحلل الاقتصادي برجس البرجس. ابتعد قليلًا، نحو أقصى الغرب، لويزيانا تحديدًا، للبكالوريوس، ثم دارتموث للماجستير، في ..

من رحاب الشاطئ الشرقي، المخضّب بالملح والنفط والثروات، نبغ المحلل الاقتصادي برجس البرجس. ابتعد قليلًا، نحو أقصى الغرب، لويزيانا تحديدًا، للبكالوريوس، ثم دارتموث للماجستير، في الهندسة والإدارة والاقتصاد، مهمة الفتى الذي جاء ليحرس الثروات، من نهب التقدير العادي، ويحمي الأرقام، من حدس الإحصاءات المرتجلة.

تريد أن تعيش في رغد من التفاؤل المعميّ عن عقبات الطريق، لا تلتفت لما يكتبه ويحسبه ويخططه كل صباح برجس، في صفحة كاملة هناك، أو في انفوجرافيك هنا، أو في وثائق مترجمة ومحمّلة بالأسفار والأصفار.

يكتب الكتّاب مقالاتهم بالأقلام، ويكتبها بالآلة الحاسبة. رموه بالتشاؤم مرارًا، لكنه أجابهم، ليس من مهمّة الرائي الحقيقيّ، مسايسة العميان.

قال لا مرارًا، حين قال أصحاب موضة التحليل الاقتصاديّ: نعم. وابتسم كثيرًا، وشارك النكات الطريفة، والألغاز التي يخترعها ليلًا، متابعوه وقرّاؤه، حتى لكأنه يتخفف من هول ما يرى من فواجع الأرقام، وانهيارات الاقتصاد العالمي، بما يكفي لضحكة وبسمتَين.

يأتي تعريفه الدائم كمستشار للشركة الأضخم: أرامكو، سابقًا، لكن تعريفه اللاحق: مستشار الشريحة الأضخم: الشعب. رجل الأرقام والحقائق التي لا تعرف المواربة في باب الاقتصاد وقضايا العاطلين والثروات والمرتبات، وكل ما جاء به الآخرون حزمًا من الكلام، وجاء به بيان من الأرقام.

ينقد أسطولًا اليوم، لكنه لا يمتنع عن أن يشاهد “عن قرب وبُعد” طائرة جديدة تنضم لهذا الأسطول من غد. الحقائق لا تعرف الحزازات، والأحقاد لا تصنع تنمية.

يكتب عن القضية، فلا يجاوزها إن بدت محتاجة تمحيصًا وتدقيقًا، حتى يشبعها بهاشتاق وآخر، وفي اللحظة التي ينطلق فيها اقتصاديو الموجة ومحللو الموضة نحو ما يطلبه المتابعون حتى لو كان في الفقه أو الكيمياء، يتمسَّك هو كبحّار شرقيّ، بمجداف قضاياه، سائرًا بها نحو ما يراه جزيرة الكنز الذي يجب ألا يُنهب.

التمياط.. اعتزال غير وارد

بروفايل: عبدالعزيز الزهراني

لكأن كرة القدم، ليست بحاجة الأقدام فحسب، لكأنها أسلوب تنافس رفيع، وإن بدى في صفحة الحوادث ما يعكر التنافس الرفيع هذا، بدءً بالشجارات اللامجدية في ..

لكأن كرة القدم، ليست بحاجة الأقدام فحسب، لكأنها أسلوب تنافس رفيع، وإن بدى في صفحة الحوادث ما يعكر التنافس الرفيع هذا، بدءً بالشجارات اللامجدية في قنوات تنحاز لأول فريق شجع المذيع قميصه، وانتهاء بمعركة مارسيليا قبل أيام.

من على كرسي التحليل الرياضي هذه المرة، يطل كل حين من مدينة، ويأتي كل بثّ ببطولة، لكأن قدره متابعة البطولات، بعد أن كلّ الجسد من خوضها. بأناقة تبدو بلا تكلّف على الفتى الهلاليّ، وبأدب جمّ، كان عنوانه على أرض العشب، وملمحه على كرسي الشاشة الرياضية.

حاز نواف التمياط كأس الدوري السعودي مرارًا، ومثّل منتخب بلاده فيما يزيد على خمسين مباراة وثلاثة بطولات كأس عالمية. وعرفته ملاعب القارة الكبيرة، كأفضل لاعب لعام 2000، وكأفضل لاعب عربيّ، وكلاعب لم توقفه دفاعات الخصوم، قدر ما أرهقته مناوشات الأصدقاء، وإصابات الجسد.

ولكوننا نحتاج المثال الذي ينتشل كرة القدم، من مرحلة ما بين الأقدام، ليعلو بها في ساحات أخلاقية، تديرها الرؤوس والأخلاق أيضًا، كان نواف التمياط، مثلاً رائعًا، للذي جاء بحماسة أخذت أرقامها باقتدار، ومضى بأناقة يحلل أرقام الآخرين، تاركًا ميادين الصخب الكلامي والفعليّ لمن هم أكبر أعمارًا، وأقلّ إنجازًا.

من على الشاشة الرياضة، يطلّ نواف في أغلب مساءات البطولات العالمية، هو الذي كان يأتي لاعبًا، ضمن سياق بطولة واحدة، أصبح الآن ضيفًا على كلّ البطولات.

الكلباني.. الحزن الضاحك

بروفايل: عبدالعزيز الزهراني

يمضي الآن حثيثًا نحو الستين. تغذّ أيامه خطاها صوب العقد السادس من العمر، لكن فتوة في القلب، وصبىً في الروح، يظهران في كل الحروف الضاحكة ..

يمضي الآن حثيثًا نحو الستين. تغذّ أيامه خطاها صوب العقد السادس من العمر، لكن فتوة في القلب، وصبىً في الروح، يظهران في كل الحروف الضاحكة والساخرة على ضفاف الشبكة.

جدتي الراحلة، كانت إحدى مُتع حياتها، أن تسمع صوته من مذياع قديم، لا يفارقها. تقول إن صوته، إضافة إلى صوت الشيخ الراحل عبدالله خياط، نعمة حُرم منها أبوها، الكهل الذي مضى في دروب الموت، قبل اختراع الراديو والكتب على حدّ قولها.

لكنه إذ يبدو معروفًا جدًّا لجدتي، بصوته الحزين، وترتيله سورة يوسف، التي تطرب مزامير آياتها العجوز الخاشعة، يبدو الآن مألوفًا ومعروفًا أكثر لأخي الأصغر، ذي العقدين إلا من السنوات. يحفظ بهاتفه مقاطع كثيرة مصورة، لا مسجّلة هذه المرة، لردود لاذعة من السخرية، لا للآيات والسور كما تفعل الجدة التي مضت بسكينة تشبه سكينة الآيات المتلوّة.

هذا الانتقال بين ضفتَين: ربع قرن من الإمامة والصلوات، بالصوت الأنيق الحزين ربما، ثم هذا الحضور المفاجئ، ضحكًا وخفة دم وروح، يشي بكنه الشخصية التي حملت هذا الاسم إلينا: عادل الكلباني.

جاءته الدنيا من المحراب. أوقفته الآيات إمامًا، وجهًا لوجه أمام باب الكعبة. وعرفته الرياض، صوتًا طريًا، يخفّف بعضًا من هذا الجفاف، في مدينة تحفظ صوته في رمضان تحديدًا، لفرط الزحام أمام المساجد التي يؤمّ خاشعيها في شهر الآيات واليقين، جنوبًا وغربًا، وحتى شرقًا هذه المرة، فأشبيلية “الحيّ” تعرف صوته الحيّ أيضًا.

يرسل كلماته، حتى لكأنها تبدو بلا رادع من شدة “الجلد”، ويحفظ وقاره، مستذكرًا أن آيات الذكر الحكيم، ما وهبه هذا الحضور أولًا، بحفظ كامل، وإجازة في القراءات العشر، لا في الردود ولا النشر.

واجه الكثيرين: مجهولين لم تفقس بيضات حضورهم بعد، وشيوخًا معلومين رسخت أعشاشهم طويلًا في “المهنة”، أرّقهم هذا الحضور المخالف أحيانًا، أو لم يحسبوا حسابه، فتنادوا بالزجر والحجْر. لكنه بقي ببسمة بيضاء، تُرسم على وجهّ كثّ اللحية والضحكة، أو تُلمَح على شفاه متابعيه، الطروبين لهذا الحدّ المهول من الظرافة، لشخص عرفه الناس ضمن فئة تُتبِع كل نكتة عابرة بـ”أستغفر الله العظيم”.

الغذامي.. حكاية الرجولة

بروفايل: عبدالعزيز الزهراني

تمرّ على المجتمعات أسماء شخصيات، غيرُ عابرٍ عبورها، تحفر اسمها عميقًا في جذع الأيام، وتترك للتاريخ بوصفه حاضرًا أولًا: تسليتهم، على ما بذلوه من عناء ..

تمرّ على المجتمعات أسماء شخصيات، غيرُ عابرٍ عبورها، تحفر اسمها عميقًا في جذع الأيام، وتترك للتاريخ بوصفه حاضرًا أولًا: تسليتهم، على ما بذلوه من عناء الكدّ المعرفيّ في الأيام الخوالي، وترضية ثانيًا: للأيام التي ستجيء، أن لن يُنسى كل هذا.

وشخص كالغذامي، يمرّ بين كوكبة أسماء، هي الأعلى كعبًا اليوم، في سماء الثقافة العربية، حادًّا ورقيقًا، متشنّجًا ومتّزنًا، منذ البدء، بعفوية وهبته فرصة البقاء والقرب من الناس، نخبة وعامة، بالوصف الأكاديمي، لا التصنيف الشارعيّ.

من عنيزة، وكثبان رمالها التي تحتضن النخل السامق، بزغ الفتى العنيزيّ، في بيت، كان الشارع بعيدًا عن بنيه، إذ إن صرامة الوالد، ألجأت الفتى لأن تكون دروبه بين الأرفف لا الأرصفة، وبين طيّات الكتب، لا لفّات الأزقة. ولعلّ قرب الكهل الناقد اليوم، من الشارع، ورجل الشارع، تعويضُ هذا الحبس البدئيّ. لعلّه اليوم يقول إن في دروب الكلمات، ما وهبه الفهم أكثر في دروب الحياة.

منذ ما يقارب ثلاثين عامًا، كل سنة جديدة تحلّ، يأتي معها كتاب/ حكاية للغذامي، الحكّاء النثريّ الكبير، كتاب لا تحتضنه الأرفف فحسب، بل تقتسمه صدور الصحف وصدور القراء الشغوفين بنتاج كهل المعرفة هذا. يجيء المرض القاسي أحيانًا. يجيء الفصل. تجيء الشكاوى. يجيء النقل والإبعاد. يجيء الشيخ المضادّ، ويعقبه المثقف الحاسد. يجيء البرنامج التليفزيوني، ويتلوه الحوار الصحفيّ. تجيء المغريات المناصبية والإدارات، الجوائز وسلسلة المؤتمرات و”المؤامرات” التي لا تنفد. تجيء كلها، ثم تذهب، ويبقى الكتاب، موسمًا سنويًّا يضربه القرّاء مع الغذامي، فيُحشر في حلة من اللغة والحكاية، بهيّة، ولا يضيع انتظارهم سُدى.

مرّة، قيل اسمه على منبر، للتحذير والتنفير منه، ثم صلّى هو بخشوع أمام هذا المنبر، ساجدًا ومقتربًا ـ قال لي شخص مرة إنه اكتشف أن الغذاميّ يصلي -. ومرة، هاجمه مثقف، لفرط الندّية في أحسن الظنون، ثم جاءه مصافحًا إياه بدراسة عنه، أو مقال. جعل الغذامي من نفسه مرارًا، بطل الحكاية التي يكتبها، ممثل المسرحية التي يرسمها، نرجس الماء الذي يراه، لكنه آخرًا، غدا كلّ ذلك، حين قارب “الناس” الناس، وترك لهم أن يقولوا ما يشاؤون، بوصفهم همًّا لا وهمًا. متمثّلا “الرجولة” بوصفها عماد الخلق الفاضل، لا الذكورة، تلك التي أمضى أيامه يؤنث ما استلبته “الفحولة” المنتصرة منذ كانت جنسًا أولًا، وكانت الأنثى “الجنس الآخر”، متمثّلا شيم الفرسان، الهابطين كثبان صحاري الجزيرة، يغفر لهذا، ويعاتب برفق ذاك، متخلّيًا عن حنق الناقد، ودُوار المؤامرة، يردّ على قارئ تفصله عنه سنوات هي نصف قرن وأكثر، ويبسم لقارئةٍ في عمر حفيدةٍ، تقول إنها لم تجد بحثه عن “المرأة” موافقًا لما ترى، ويواصل هو “حكاية الرجولة”.