الثلاثاء - 6 ربيع الأول 1438 هـ - 06 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. قضايا وتقارير

جدران السجن تحكي 5 عقود من القمع والتعذيب..

مجزرة تدمر.. 36 عاماً لم تغسل يدي (الأسد) من أبشع جرائم التاريخ الحديث

مجزرة تدمر.. 36 عاماً لم تغسل يدي (الأسد) من أبشع جرائم التاريخ الحديث
نُشر في: الإثنين 27 يونيو 2016 | 10:06 م
A+ A A-
0
المسار - لندن:

في مثل هذا اليوم من العام 1980 استنفرت عشر طائرات مروحية عسكرية قطعت 200 كم عند الثالثة فجرًا وهي تحمل 200 جندي سوري، اختير منهم 80 ووزعوا إلى سبع مجموعات مدججة بالأسلحة والقنابل والمتفجرات لإبادة 1181 معتقلاً أعزل مكبلين في أكثر السجون تشديدًا أمنيًّا على مستوى العالم. لتعلن آلة الموت التي أدارها جلاوزة السلطان وزبانية نظام الأسد، لتحصد أرواح أطباء ومهندسين، وصيادلة ومحامين، وعمال وفلاحين، وعلماء وأدباء، وطلاب.

ففي السابع والعشرين من يونيو عام 1980، وقعت أفظع مذبحة شهدها التاريخ الحديث، ردًّا على مجرد محاولة فاشلة لاغتيال حافظ الأسد، اتخذ إثرها قرارًا بقتل كل السجناء في تدمر، في ذاك الوقت طوق السجن وأخرج منه الحرس، ثم فتحت النيران على المعتقلين وألقيت عدة قنابل، واستخدمت بعض قاذفات اللهب مع إطلاق النار الكثيف في باحات ثلاث للسجن، بينما تعالت أصوات المعتقلين بهتافات: الله أكبر. استغرقت المجزرة نصف ساعة، ونفذها جنود سرايا الدفاع في حدود الساعة الثالثة فجرًا الاجتماع بلباس الميدان الكامل في سينما اللواء 40 حيث كان الرائد معين ناصيف بانتظارهم، وألقى فيهم خطبة قال فيها: “هدول الإخوان المسلمين ما عم يفرقوا بين مسلم علوي ومسلم سني ومسيحي وعم يقتلوا في الشعب وامبارح حاولوا اغتيال الرئيس. لذلك اليوم راح تقوموا بهجوم على أكبر وكر لهم وهو سجن تدمر. قال: مين ما بدو يقاتل؟ ما حدا رفع إيده، الأمر العسكري”.

المجزرة النسائية

بعد 6 أشهر وقعت مجزرة فريدة بين المجازر التي ارتكبها نظام الأسد الأب، ففي يوم 19- 12- 1980 سيقت 120 امرأة كن قد أودعن كرهائن من أمهات الملاحقين وأخواتهم في السجن الصحراوي، وكانت قبل ذلك قد حفرت لهن (بلدوزرات) نظام أسد أخدودًا كبيرًا، وما أن اقتربن من هذا الأخدود حتى أطلقت عليهم قوات الأسد النيران وهن على حافة الأخدود، فوقعن فيه مضرجات بدمائهن. وقيل أن جنود الأسد أهالوا عليهن التراب. وبعضهن يعلو أنينهن. إذ لم يفارقن الحياة بعد.

الكشف عن المستور

وبقيت معلومات مجزرة تدمر غامضة، كما معظم المجازر التي ارتكبت في سورية خلال فترة الثمانينيات، إلى أن اعتقلت المجموعة التي نفّذت محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران في عمّان عام 1981. حيث كان بعض عناصر المجموعة المنفّذة ممن شاركوا في المجزرة، فقدّموا تفاصيل المجزرة والمسؤولين عنها في التحقيقات التي عرضها التلفزيون الأردني آنذاك.

وبحسب شهادة الرقيب عيسى إبراهيم فياض، والذي تم اعتقاله في الأردن وأدلى بشهادته المتلفزة، فإن المجموعة التي ذهبت إلى سجن تدمر فجر يوم 27/6/1980 كانت من اللواء 40 (والذي يقوده معين ناصيف زوج ابنة رفعت الأسد) واللواء 138 (الذي يقوده المقدم سليمان مصطفى) التابعين لسرايا الدفاع التي كان يقودها رفعت الأسد شقيق الرئيس السابق حافظ الأسد، وكانت المجموعة بقيادة المقدم سليمان مصطفى. وقد انتقلت بالطائرات المروحية إلى باحة السجن في حوالي السادسة والنصف من صباح ذلك اليوم، وتم توزيع عناصر المجموعات إلى ستة أقسام، كل منها توجّهت إلى أحد المهاجع.

ورغم أنّ فترة الثمانينات قد شهدت عدداً كبيراً من المجازر، إلا أنّ هذه المجزرة كانت الأولى التي يتمّ توثيقها من خلال شهادات الجناة وباعترافاتهم المسجلة، كما أنّها قدّمت نموذجاً واضحاً للطبيعة الجرمية لنظام الأسد، والتي لا تتورّع عن ارتكاب مجزرة وحشية بحق المختطفين العزل.

  

أسوأ الجرائم

تقول “اللجنة السورية لحقوق الإنسان” إن مجزرة تدمر : “شكلت واحدة من أسوأ الجرائم التي ارتكبت في تلك الحقبة، فهي استهدفت من جهة معتقلين عزّلا لا يملكون حتى إمكانية الهروب أو الاختباء، ومن جهة أخرى عكست عقلية الانتقام التي كانت تتحكم بالنظام آنذاك، ممثلة برأسيه حافظ ورفعت الأسد، حيث استُهدف أشخاصٌ لم يُعتقلوا أصلاً وفقاً لأي قواعد قانونية، ولم تثبت عليهم أي تهم، وفقاً لأي قانون حتى الجائر منها، وكانوا يخضعون أصلاً لعمليات إعدام دورية، كما ستُظهر شهاداتُ المعتقلين الذين حالفهم الحظ بالخروج من هذا السجن لاحقاً». ورغم استهداف هذه المجزرة دوناً عن غيرها لمعتقلين في سجنٍ لا يمكن الوصول إليه، ولا يُعرف الداخلون إليه أصلاً، وكان من الممكن أن لا تُعرف وقائعا إلاّ بعد سنوات طويلة وبشكل موجز، إلا أن المجزرة حظيت بتوثيق مختلف عن أي مجزرة أخرى.

 

القتلة الحقيقيون 

حسب الاعترافات التي أدلى بها بعض المشاركين في مجزرة سجن تدمر، وبحسب الهيكلية السياسية والعسكرية في الوحدات التي شاركت في المجزرة، تشير اللجنة السورية لحقوق الإنسان إلى أن المتهمين في المجزرة الذين عُرفت أسماؤهم هم:

حافظ أسد رئيس الجمهورية، رفعت أسد قائد سرايا الدفاع، المقدم فيصل غانم (مدير سجن تدمر)، المقدم علي ديب ـ قائد اللواء (138) من سرايا الدفاع (من محافظ اللاذقية)، الرائد معين ناصيف ـ قائد اللواء (40) من سرايا الدفاع، المقدم سليمان مصطفى ـ قائد أركان اللواء (40) من سرايا الدفاع (من محافظة حماة)، الملازم أول ياسر باكير ـ من اللواء (40) من سرايا الدفاع (محافظ حماة)، الملازم منير درويش ـ من اللواء (40) من سرايا الدفاع (محافظ اللاذقية)، الملازم رئيف عبد الله ـ من اللواء (40) من سرايا الدفاع (محافظة اللاذقية). إلى جانب 17 رقيب وعريف من اللواء (40) من سرايا الدفاع في جيش النظام السوري.

القمع والتعذيب  

شملت الشهادات المتواترة التي قدّمها السجناء السابقون في سجن تدمر قائمة طويلة من وسائل التعذيب التي كانت تُستخدم على مدار السنوات في داخل السجن، والتي أدّت إلى مقتل آلاف من الأشخاص بشكل يومي. وتُظهر الشهادات أن بعض أنماط التعذيب في سجن تدمر لم يسبق أن استُخدمت في أي مكان آخر حول العالم، وتُظهر نمطاً وحشياً غير مسبوق في التعامل مع السجناء. وقد كان السجانون في تدمر يمتلكون صلاحية مطلقة في قتل السجناء أثناء التعذيب، بل كانت إدارة السجن تتأكّد من قيام كل السجانين بالمشاركة في أعمال القتل. وتتضمن أعمال التعذيب التي كان يتم ممارستها في السجن الضرب بالأسلاك الكهربائية والسياط وكل ما يقوم مقامها، بالإضافة إلى رمي المعتقلين من ارتفاع حتى تتكسّر عظام السجين، وتكسير العظام والجمجمة بالضرب المباشر بالحذاء العسكري وأخماص البندقية، بالإضافة إلى أساليب التعذيب الأخرى المتعارف عليها في سجون النظام الأخرى، مثل الكرسي الألماني والصعق بالكهرباء.. الخ.

وإلى جانب التعذيب الجسدي، مُورست في سجن تدمر أصناف وحشية من التعذيب المعنوي، والمتمثّل في شتم المعتقل بشكل مستمر، ومنعه من مشاهدة سجانيه ومعذبيه طيلة فترة سجنه، ومنعه من التحدّث مع زملائه.. الخ من الأساليب التي كانت تهدف إلى الحط من الكرامة الإنسانية للسجناء.

شهادات مرعبة 

سجل الكثير من المعتقلين السابقين في سجن تدمر ، شهاداتهم عن فترة السجن التي قضوها، حيث صدرت عدد من الكتب التي توثّق شهادتهم هناك، كما قام معتقلون بتقديم هذه الشهادات عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة. ومن أبرز هذه الشهادات رواية القوقعة لكاتبها مصطفى خليفة، والذي وثّق يوميات سجين مسيحي في سجن تدمر لمدة 13 عاماً.

ومن الشهادات المهمّة أيضاً، شهادة المعتقل الأردني محمد سليم حماد، والذي وثّق شهادته في سجن تدمر في كتابه “تدمر شاهد و مشهود 1980 – 1991”.

كما وثّق السجين السابق عبد الله الناجي شهادته في كتابه “حمامات الدم في سجن تدمر”، والتي وثّق فيها تجربته كسجين عربي في سجن تدمر، وكان قد اعتقل بعد أن ذهب لزيارة شخص في بيته في دمشق، وتبين أنه كان مطلوباً للأمن، فاعتقل من أجل تلك الزيارة أحد عشر عاماً!.ويعدّ كتاب “في القاع: سنتان في سجن تدمر الصحراوي” من أوائل الكتب التي وثّقت لمعاناة السجناء في سجن تدمر، حيث يروي الكتاب الذي صدر باسم مستعار وقائع عامين من حياة سجين إسلامي في سجن تدمر في بداية الثمانينيات.

خلفية تاريخية

شيد سجن تدمر عام 1966 حيث تشرف عليه الشرطة العسكرية والمخابرات السورية، وخصص تحديدًا لاحتجاز المعارضين، وكما يشير مؤلف رواية “القوقعة” فيه يلتقي بالحمر (أي الشيوعيين واليساريين)، والخضر (أي الإسلاميين بكل تياراتهم الفكرية والسياسية). جميعهم سجناء النظام، ومع هذا يغلب في أوساط الشعب السوري أنه سجن الإسلاميين لأن السلطات خصصته غالبًا لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومن ارتبط بها أو ربما لمجردة شبهة التدين.

وصنّف سجن تدمر بأنه الأسوأ بين 10 معتقلات على مستوى العالم، يتقدم على سجن (كارانديرو) البرازيلي، و(بيتالك) الروسي، و(كوانغ بانغ) التايلاندي، و(لاسابانيتا) .وتعتبر منظمة العفو الدولية السجن مرادفًا للوحشية واليأس واللاإنسانية، ويصف السجن موقع «كريمينال جاستيس ديغري هاب»، الذي أعد قائمة أسوأ السجون: “سجن تدمر في سوريا، سالت الكثير من الدماء وراء قضبانه، ولو أحرق فلن تطهر نيرانه الصحراء التي سلبت آلاف الأرواح ظلمًا”.

تدمر1

تدمر2

WhatsApp-Image-٢٠١٦٠٦٢٧(7)

WhatsApp-Image-(4)

WhatsApp-Image(5)

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *