الجمعة - 9 ربيع الأول 1438 هـ - 09 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

نحو إدراك جديد للتاريخ الحديث

نحو إدراك جديد للتاريخ الحديث
نُشر في: الأحد 25 سبتمبر 2016 | 12:09 م
A+ A A-
0
عبدالله الوهيبي

هذا هو العنوان الفرعي لكتاب “الحزب الثوري كظاهرة تاريخية حديثة” للمفكر الوحدوي الكبير الدكتور نديم البيطار، والصادر عن دار بيسان عام 2008م. يبدو تناول موضوع كهذا اليوم لا يخلو من مفارقة طريفة، إذا استحضرت أفقنا السياسي المغلق، والذي يتفاقم بؤساً مع تضخم الإخفاقات المؤسفة للثورات العربية. ولكن عند الاطلاع على الكتاب ربما ترى أنه حان الوقت لقراءة هذا النوع من الكتب كما سأشير الآن.

يحاول البيطار في هذا الكتاب الإجابة على سؤال: ما المبررات الاجتماعية والسياسية والثقافية بل والسيكولوجية والوجودية التي ساهمت في بروز ظاهرة الأحزاب الثورية في العصر الحديث؟

تتمركز إجابة المؤلف على تحليل ظاهرة “التذرر” في المجتمع الحديث، أي تحول الأفراد إلى ذرات متناثرة، ومتقطعة عن الكتلة الاجتماعية المتمزقة في ذاتها، فالناس في المجتمعات التقليدية يرون أنفسهم ككائنات ذات جذور في العالم الاجتماعي، وامتداد في الزمان والمكان، بمركز اجتماعي ثابت، ينظرون منه إلى العالم كعالم منسجم وذي معنى. وهذه التركيبة الاجتماعية والثقافية المتماسكة في بنية أنسجة المجتمع التقليدي تهاوت بدرجات متفاوتة في المجتمعات الحديثة، بفعل الانهيارات المتنوعة في الأنظمة والقيم الأخلاقية والميتافيزيقية، مع التفكك المريع والمتزايد للروابط والعلاقات الاجتماعية والدينية، وتآكلها، مما ولّد حالة الاغتراب لدى الفرد المعاصر، وأصبحت المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية عاجزة عن دمج الفرد في بنيتها وإعطائه هوية ثابتة. ولأن الإنسان لا يكف عن البحث في البدائل خلق المجتمع الحديث جماعات ومنظمات وتنظيمات ونوادي كثيرة العدد، ينضم لها الملايين، ولكنها محدودة البنية وصغيرة الحجم، الأمر الذي يعكس رغبة أفراد المجتمع الحديث في تجاوز الفراغ والعزلة، والتطلع إلى تحقيق حاجة أخلاقية ونفسية واجتماعية من خلال هذه الروابط الجديدة. وفي هذا السياق الاجتماعي يمكننا تلمّس الإجابة على السؤال السابق.

وفي فصل مكرّس بصورة مباشرة لبحث الأسباب التي تحفز الفرد المعاصر للانتماء إلى الحزب الثوري يسرد المؤلف ثلاثاً وثلاثين سبباً لذلك، وعموم الأسباب المذكورة تمثل محاولة تعميق مسببات محددة، تدور في أفق البحث عن بديل هوياتي ووجودي واجتماعي وثقافي يعبّر عن الأشواق الروحية والاجتماعية للإنسان المغترب. والبيطار في كتابه هذا يستكمل أطروحته التي بدأها مع كتابه “الأيديولوجية الانقلابية” 1964م والتي يكشف من خلالها التماثل البنيوي بين شتى الظواهر التاريخية للثورات/الانقلابات العقائدية بشقيها الديني والعلماني، ويحلل باستفاضة تشابهاتها في المضامين الغيبية، والنزعة الكليانية، والمكونات الدينية، والتركيبة الثورية، وأنظمة الشعارات والرموز، ويناقش هذه التماثلات الكامنة –بحسب فرضيته- ويطبقها على المسيحية، والبوذية، والثورة الانجليزية والفرنسية، وصولاً للماركسية والفاشية والنازية. والأحزاب الثورية هي تجميع للنظرية والفعل في محاولة لإعادة إنتاج ذات المساعي النموذجية الطامحة لخلق “فكرة المجتمع الجديد”، وهذا هو عنوان الجزء التالي من كتاب “الأيديولوجية الانقلابية”، والذي يحلل فيه البيطار نظريات وآليات إنشاء المجتمع الجديد البديل عن الواقع “الفاسد” في الأيديولوجيات والمذاهب السياسية الحديثة. وبهذه الإلماحة يمكن فهم موقع الكتاب الذي نعرض له من المنظومة التحليلية التي انشغل بها المؤلف.

وهكذا يأتي هذا الكتاب -محدود الحجم بالمقارنة مع كتب المؤلف الأخرى المذكورة آنفاً- كمحاولة لتعميق الفهم للتحولات العميقة في الاجتماع السياسي الحديث، والمحركات الداخلية للبنى الاجتماعية الحداثية مما يهم كل باحث ومفكر في السياقات والنماذج والأطر الإصلاحية المطروحة والمرتقبة.

 

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *