الجمعة - 9 ربيع الأول 1438 هـ - 09 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. حياة الناس

معاقون وشيخ.. شيءٌ من أسى النفوس الكريمة

معاقون وشيخ.. شيءٌ من أسى النفوس الكريمة
نُشر في: الأحد 03 يوليو 2016 | 10:07 م
A+ A A-
0
المسار - خلف السليمان:

يُشبه الحاج (س. م) حاله وأسرته بمهجري ولاجئي سوريا حين يحل فصل الشتاء، رغم أنه يسكن أطهر بلاد الله وبين أكرمهما نفسًا، أرض الحرمين الشريفين.

يبلغ من العمر 64 عامًا، سعودي من أهالي منطقة الباحة، لم يتعلم بسبب لثغة في لسانه، يقول (س. م) والدمع يسيل من عينيه “كبرت في كنف والدي – رحمه الله – وتزوجت وأنجبت 6 من الأبناء وابنتين، ورزقني الله منزلًا متواضعًا، وتعلّم أبنائي لكن الابن الأكبر ظهر عليه بعض التخلف، ولأنني لا أملك المال فلم أستطع أن أراجع به مستشفى، وجاء الابن الثاني، وفرحت به أنا وأمه؛ لأنه متميز في دراسته منذ الأول الابتدائي، واستمر حتى لم يبقَ على تخرجه في الجامعة إلا عام واحد”.

بنى (س. م) آماله على الشاب القادم المتّقد الذهن ليغيّر مسار حياته إلى الأفضل، لكن قضاء الله وقدره كان أسرع، إذ فقده في أحد الغدران عندما أراد أن يسبح، فباغته الأجل لتمضي الأيام ثقيلة وتثقل كاهله معها.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد اكتشف المكلوم بابنه أن إحدى بناته الصغرى والأخيرة مصابة بتخلف عقلي. يتحدث (س. م) وكأنه يتذكّر لحظة إداركه حقيقة ابنته “كنت عاجزًا عن تقديم أي شيء لها، فلا أملك المال لعلاجها، والمنطقة التي أعيش فيها لا يوجد بها مستشفى متخصص لعلاج التخلف العقلي حتى المدارس معدومة، وإن وجدت فستكون غالية جدًّا وفوق قدرتي”.

ومع هذا الكم الهائل من الحزن والبؤس، لمعت بارقة أمل في وجه (س. م)، فهذا ابنه البكر رغم إعاقته يدخل عليه ليبشّره بأنه وجد وظيفة، يقول الأب “فرحت أشد الفرح وقلت ربما أن الله عوّضني عن ابني العاقل المجتهد الذي غرق في أحد الغدران، فلم أسأل ابني ما هي الوظيفة، ولا أين تقع، وأصبحت أبني الأحلام في اختيار زوجته، واشترط أنها لابد أن تكون موظفة أو مدرسة، وأشغلت نفسي بالسؤال عن بنت فلان، وبنت فلان، وبدأت وكأني مخبر سري يبحث عن شيء مفقود”.

مرّت الأيام والابن البكر يرسل لأبيه شهريًّا ألف ريال، ورغم بساطة المبلغ، يقول الأب: “كنت فرحًا بها، ولم أصرف منها ريالًا رغم فقري وحاجتي للريال الواحد لأشتري به خبزًا لإخوانه”.

لكن الفرح لا يدوم لمن قدّر له شقاء الدنيا، يقول صاحبنا وقد شرد منا مجددًا، ليعود مواصلًا: “بعد ثمانية أشهر جاءني مَن يقول كيف تسمح لابنك بالزواج دون علمك، ودون علم جماعته وحتى زوجته هي التي تتلاعب به في شوارع جدة، فمرة تجده خلفها مثل الخادم يحمل لها الأكياس، ومرة في المواقف ينتظرها حتى تتناول وجبتها مع صاحباتها في مطاعم جدة، ومرة تجده على أبواب النادي الذي تُمارس رياضتها فيه، كيف تسمح لحفيد فلان بأن يكون مرمطونًا عند واحدة لا تعرف معنى الزواج”.

ولندع “س . م” يروي موقفه في تلك اللحظات الصعبة: “أُصبت يومها بصدمة كبيرة، وفقدت النطق كاملًا وانهمرت الدموع من عيني كأنها سيل، أنظر لأولادي أمامي وحاجتنا للقمة، وما فعله ابني الكبير، وأسأل نفسي: “ليش ما وجّهت ابني يروح للعسكرية أو يشتغل حارسًا أمنيًّا في مدينة بالجرشي أمام ناظري؟ كيف سمحت له بالسفر لمدينة كبيرة مثل جدة، ومن فين تعرّف على هذه الزوجة؟ وكيف تزوجها ونحن لا نعلم عنه شيئًا، كدت أضرب أمه لأنفّس عن نفسي مما أصابني، وتذكّرت أنها ضحّت بكل شيء لأجلي، وأنها عاجزة مثلي، لا نحسن تربية، ولا تشجيع على الدراسة، وهي أيضًا مريضة بالسكر والضغط”.

استعان (س. م) بقريب له في قرية ثانية، وشكا له الحال، فتحرك القريب لجده، وهناك التقى الابن ووجد أنه تزوج امرأة كبيرة في السن، وحالها ميسور، لكنها ـ والحديث للوالد – استخدمته بدل السائق، وابني فيه خبالة بعض الشيء، فأصبح مثل العبد لديها تفعل فيه ما تشاء، وتحدث قريبي معها، ووجد أنها محترمة وصاحبة دين وشريفة، غير أن النساء أحيانًا يتمادى بهن الغرور؛ لتفعل ما فعلت بابني، وطلب منها أن يأخذ الولد ويرجع به لنا لديارنا لنقرر إذا يستمر أو يطلق”.

ويواصل (س. م) روايته “جاء ابني البكر وعاتبته، وردّ علي بأنه لم يجد غير هذا ليعف نفسه، وأنها وظفته بمكتب يحصل منه على راتب أربعة آلاف ريال، ولا يوجد عندي شيء إذا طلبت منه أن يوصلها مشوارًا مثلما يفعل الأزواج إلا أن جماعته عيّارين ويتناقلون الكلام وهو لا يهتم لكلامهم؛ لأنه موظف ومتزوج، وزوجته ما تقصّر ولم يرَ منها شيئًا سيّئًا أو يجعله يتخلى عنها، وزواجه منها تم على كتاب الله وسنة رسوله، وعن طريق واحد من الجماعة أراد أن يسترني وأجد عملًا”.

يقول (س. م): بقيت في قلق عدة أيام بين حاجتنا للألف ريال الذي يرسله لنا، وبين رغبتي في تزويجه واحدة من جماعتنا، وفرّج الله علينا أن توظف أحد الأبناء في المستشفى بوظيفة، وعلى المرتبة الثالثة، وفرحت وقرّرت أن أطلب من ابني البكر أن يطلق زوجته، ويعود لنا في بالجرشي، ليجد أي وظيفة ويتزوج من جماعتنا، لكن الأحزان لا تترك الفقراء، فرح ابني بوظيفته، وبعد شهر اشترى سيارة جديدة ليتنقل بها، وأثناء تمرينها دخلت عليه شاحنة فقتلته، وساوت السيارة بالأسفلت، حمدت الله على المصيبة، ودفنت ابني، وذهبت لشركة السيارة لتطلب مني خمسة آلاف ريال، الفرق بين التأمين وقيمة السيارة، وحاولت التوسّط والكلام مع المسؤولين، لكن لا يُسمع للضعفاء مثلي.

(س. م): قلت لابني بعد أن أمضى عندي شهرين ونصف الشهر، وزوجته تتصل به وبي تطالبه بالعودة، وأنا كل مرة أعتذر منها بعذر، قلت له سافر، والحق بزوجتك، الآن عندي اثنان من الأولاد لا يحسنان شيئًا، والبنت المصابة بتخلف، والبنت الكبيرة تخرجت من الكلية لكنها عاطلة في البيت منذ 4 سنوات.. ويختم (س. م) بالقول: “أنا فقير جدًّا وسكني يحتاج ترميمًا، ففي فصل الشتاء نصبح كأننا سوريون، والحمد لله على قضاء ربي وقدره”.

الحالة: 75

للتواصل جوال وواتساب : 0506677090

الإيميل:  Hu@almasaronline.com

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *