الإثنين - 5 ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

لتعارفوا

لتعارفوا
نُشر في: الخميس 16 يونيو 2016 | 01:06 ص
A+ A A-
0
د. فيصل خالد الغريب *

أبناء آدم “عليه السلام” خرجوا من صلبه لينتشروا في الأرض شعوبًا وقبائل تجوب القارات لتعمر الأرض بتوحيد الله تعالى وعبادته “جل في علاه”، وطال بهم الأمد فتناكروا لاختلاف ألوانهم وألسنتهم، وتطور بهم الفكر بوحي من الشيطان ووساوسه، ليشركوا مع الله غيره من آبائهم وأجداهم، وتمايزت حضاراتهم وبواديهم التي كانت مدار عالمهم وحدود علمهم، وغاب عنهم أنهم إخوة، فثارت الحروب وجلّت الخطوب بينهم، فكانوا يركنون لعصبتهم ومجمع شملهم، فتعالى بعضهم على بعض في جاهلية مقيتة وبعيدة عن سيرة وجودهم الأول على الأرض، قبل قابيل وهابيل.

اليوم يعيش البعض حنينًا للجاهلية متعاليًا بنسبه وشريف أصله مع صغر عقله، وفُحش قوله وفعله أو شديد مكره وخديعته وظلمه وبهتانه وزوره، وكأن بقية البشر قد وُلِدوا من قرد وقردة، وجعل من نسبه مفخرة المفاخر ومعجزة الأصاغر والأكابر، فترى الوضيع الرقيع متبخترًا على العصامي العابد الجليل.

لا يمكن للنقص الإيماني والأخلاقي والعلمي أن يُسَد بنسب أو مجد غابر، وإنما التمايز بعد الإسلام بالتقوى وشريف العلم وكريم الخُلق، فالفخر بالآباء والأجداد تمام نقص لمن عجز عن مجاراتهم فيما كانوا فيه من صادق حظهم من الشرف والأمجاد والآثار، وإنما تُذكَر الأمجاد لإيقاد نار العزم في قلب الخامل ولمن في ذكرهم بحضرته تمام علم ودراية وبيان، فإن مَن كان خير ما فيه اسمه فقد أبان للناس نقصًا غائبًا وعيبًا ثالبًا، وكان أضحوكة المجالس، وضيعًا بين أهل الدراية والفهم، وقد قال فيه أفلاطون (مَن أغفل نفسه واعتمد على شرف آبائه فقد عقّهم، واستحق ألا يُقدّم بهم على غيره)، فهو أبعد ما يكون عن منابع الفضل فيهم، وأقرب لطفيلي النبات المتسلق على سوق الشجر وأغصانه، ليبلغ ضوء الشمس ونورها، مقتاتًا على عصارة من تطفل عليه حتى يهلكه، وهذا مسلك من قصرت يده عن المكارم واستصناعها، فتراه عالة متعالمًا متصنعًا متكلفًا متعلقًا بالشخوص متذرعًا بالأصنام، ممجوجًا لا تخطئه عين، ولا تطرب له أذن من أهل الشمائل والخلال الأصيلة، حتى إذا ما فتنت به سائبة البشر ورعاع البهم، سوّد نفسه وازدرى الصفوة، وقرب النوكى). وكما قال الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ                لَهُم وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا
وَالـبَيتُ لا يُبتَنـى إِلَّا لَـهُ عَمَـــدٌ                وَلا عِمـادَ إِذا لَــم تُــرسَ أَوتــــادُ
فَإِن تَجَمَّعَ أَوتادٌ وَأَعمِدَةٌ لِمَعشَرٍ               بَـلغـوا الأَمــرَ الَّـذي كـــــــــــادوا

ولقد أخبرنا الحق “سبحانه وتعالى” في محكم التنزيل فقال: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) وقد ورد في الحديث قول النبي “صلى الله عليه وسلم”: “لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنْ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ”، فالفخر بالأحساب من أمور الجاهلية وهو عمل مرذول مذموم من كل ذي لب؛ وقد قال النبي “صلى الله عليه وسلم”: “إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآْبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ”.

وحقيق بالعاقل الفطن، ألا يُعِين السفهاء والحمقى على التطاول على الخلق بما لم يجعله الله تعالى موضع رفعة، لا في دنيا ولا في آخرة، وأولى به نصحه وثنيه عن خطيئته التي استمرأها على عباد الرحمن الأرفع قدرًا والأبلغ طَولًا، ممن قال فيهم سبحانه (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) لعبادتهم لله وتقواهم له وزهدهم وورعهم، وكريم خُلقهم وعلمهم بالله، وما يوصل إليه من المعارف والأعمال الصالحة.

وأحسن الشاعر حين قال:
كن ابن من شئت واكتسب أدبًا           يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ
فليس يغنـي الـحسيب نسبته           بـلا لسانٍ لــــــــه ولا أدب
إن الفتـى من يقـول هــــا أنا ذا           ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي

*مستشار وخبير الاتصال البشري

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *