الخميس - 8 ربيع الأول 1438 هـ - 08 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

كلينتون وترامب وأمريكا التي لا نعرفها

كلينتون وترامب وأمريكا التي لا نعرفها
نُشر في: السبت 12 نوفمبر 2016 | 02:11 م
A+ A A-
تعليق واحد
د. نصر محمد عارف

فى ذروة اشتعال فضيحة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي فى 1998-1999م، وفي لحظة تجلت فيها عظمة الدستور الأمريكي، الذي يعد أفضل وثيقة سياسية وضعتها يد البشر، فقد استغرقت صياغته 115 يوماً؛ من 25 مايو 1789م إلى 17 سبتمبر 1789م، حين اجتمع 55 من ممثلي 13 ولاية، فى قاعة الاستقلال بمدينة فيلادلفيا، كانت أمامهم مسدساتهم محشوة بالرصاص، وأقسموا ألا يخرجوا أحياءً إلا بدستور يؤسس الاتحاد الأمريكي، هذه الوثيقة العظيمة وضعت طريقة محكمة لمحاكمة الرئيس الأمريكي حين يكون متهماً بجريمة، بحيث يكون القاضي هو أقدم قضاة المحكمة الدستورية العليا، ويقوم مجلس النواب بدور الادعاء أو النيابة، بينما يقوم مجلس الشيوخ بدور المحلفين؛ هذه الحالة العبقرية لتوازن، وتداخل السلطات تبهر طلاب النظم السياسية المقارنة أمثالي.

فى تلك الفترة كنت أعمل أستاذاً مساعداً مع العالم الكيني الأمريكي الدكتور علي مزروعي رحمة الله عليه – وهو من أشهر علماء السياسة والدراسات الأفريقية فى العالم، وكان صديقاً مقرباً لجميع الرؤساء الأمريكيين منذ أواخر الستينيات حتى وفاته، لأنه كان رمزاً للأفارقة الأمريكيين، حينها سألته عن رأيه فى مصير محاكمة الرئيس كلينتون بعدما اعترف بأنه ضلل العدالة وكذب تحت القسم في موضوع علاقته بمونيكا لوينسكي، وهما جريمتان خطيرتان فى النظام القضائى الأمريكي، وكنت على يقين نظري أن الرئيس كلينتون سوف يتم عزله من منصبه؛ مثلما حدث مع الرئيس نيكسون 1974م في فضيحة ووترجيت، فكان رد أستاذنا الدكتور علي مزروعي حاسماً وقاطعاً ونافياً لكل الخلاصات التي وصلت إليها من تحليل نظري، وقالها بصوته الرصين المميز: the establishment، (هذه الكلمة لم أجد ترجمة إلا المفهوم القرآني: الملأ) لن يسمحوا بذلك، ولن يسمحوا بعزل رئيس أمريكي بتهمة أخلاقية، تمس نزاهته، وقيمه وأخلاقه، أما الرئيس نيسكون فقد كانت التهمة سياسية، لأن العقل الأمريكي يضع الرؤساء فى موقع القدوة، يصيبون ويخطئون سياسياً، ولكن لن تكون هناك وثيقة تاريخية في صورة حكم قضائي على أرفع مستوى تدين الرئيس أخلاقياً…وقد كان ما توقع الدكتور علي مزروعي، وتم إغلاق القضية بصورة احترافية.

بحثت فى قواميس علم الاجتماع الأمريكى عن مفهوم establishment، فوجدته يعني جماعة أو نخبة تتحكم في المفاصل السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية لدولة من الدول، ولذلك وجدت من المناسب ترجمتها إلى كلمة ملأ فى العربية، والتي وردت فى القرآن الكريم فى مواضع كثيرة؛ كان أكثرها دلالة؛ خطاب بلقيس ملكة سبأ للنخبة المعاونة لها قالت يا أيها الملأ إني ألقى إلى كتاب كريم.

وهنا نجد أن الملأ الأمريكى هو من بيده القرار الأكبر عند مواجهة المخاطر الأكبر، أو تحقيق المصالح الكبرى، وما دون ذلك من اختصاص النظام الديمقراطي الذي نعرفه، يعمل ذلك النظام في مؤسساته التشريعية ممثلة في الكونجرس، والتنفيذية ممثلة في البيت الأبيض في جميع الأمور الأقل من الأكبر، أي التي لا تتعلق بالوجود التاريخ والمستقبل.

أمريكا التي لا نعرفها … مصدر قوتها الحقيقي في الحكم المحلي على مستوى البلدات الصغيرة، والمدن وأحياء المدن، ثم مستوى المقاطعات والولايات، أما المستوى الاتحادي فيأتي في الدرجة الثالثة أو الرابعة، جميع الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية والبنية التحتية بما فيها النظافة من اختصاص المستويات الدنيا من الحكم المحلي في البلدات والمدن، يتم تمويلها من دخلها وحصتها من الضرائب، ويتم اتخاذ القرار فيها بالديمقراطية المباشرة؛ من خلال جلسات الاستماع المفتوحة التي يحضرها كل مهتمٍ بالموضوع محل النقاش، وبناء على توجهات الجمهور العام يصوت مجلس الحكم المحلي.

أمريكا التي لا نعرفها… تقوم على نظام متقن وقوي جداً من الأوقاف في جميع مجالات الحياة، وجميع الخدمات من التعليم حتى مقاعد الحدائق العامة، ويكفي أن نعرف أن وقف جامعة هارفارد وصل إلى 40 مليار دولار قبل الأزمة المالية العالمية 2009م، والآن وصل إلى 30 مليار دولار.

أمريكا التي لا نعرفها…لا تهتم كثيراً بمن يجلس في البيت الأبيض، لأنها تعرف أنه مؤقت، وفي كثير من الأوقات لا يقدم ولايؤخر، ويمكن مراجعة عشرات الأفلام التي أنتجتها هوليوود عن البيت الأبيض، وما يحدث فيه من مآس يندى لها الجبين.

أمريكا التي لا نعرفها…فيها أكثر من 1100 بيت خبرة Think-tank، منها أكثر من 450 متخصصاً في دراسة الشرق الأوسط والإسلام، ونحن العرب لا يوجد لدينا بيت خبرة واحد لدراسة وفهم أمريكا؛ التي ترتبط بها مصائرنا ومستقبل أوطاننا شئنا أم أبينا.

أمريكا التي لا نعرفها… لا ينشغل شعبها بنا، ولا يفكر فينا لأن السياسة الخارجية والعالم الخارجى من اختصاص الملأ، وليس من اختصاص الشعب الأمريكي، لذلك تتحدد السياسة الخارجية الأمريكية تجاه أي دولة طبقاً لتأثير هذه الدولة على الملأ، سواء بالتأثير المباشر مثل حالة السعودية في فترة وجود الأمير بندر بن سلطان سفيراً لها فى واشنطن، أو بالتأثير من خلال جماعات الضغط وجماعات المصالح مثل إسرائيل والهند.

أمريكا التي لا نعرفها.. تميل مع دونالد ترامب وليس هيلارى كلينتون، حتى وإن انتخبت هيلاري، ترامب يخاطب العقل الأمريكى بما يريده، يعده بتحصيل أموال من جميع الدول التى تقدم أمريكا دعماً أمنياً وعسكرياً لها؛ من السعودية إلى الاتحاد الأوروبي إلى اليابان وكوريا الجنوبية، وهذا ما يريده الأمريكان الذين خسر خمسة ملايين منهم بيوتهم، و15 مليوناً وظائفهم في السنوات السبع الماضية.

أمريكا التي لا نعرفها … هي التي مررت قانون جاستا الذى يمثل قرصنة دولية غير مسبوقة، تتيح للأمريكان سرقة الأمانات الموجودة في بنوكهم، وعلى أرضهم من العرب الذين وثقوا في نظامهم، وذلك من خلال إلغاء مبدأ سيادة الدول الذي قام عليه النظام الدولي، وتحويل جميع الدول إلى مجرد أشخاص بلا حصانة؛ يحكم فيهم القضاء الأمريكى كيفما يشاء؛ طبقاً لقرار 15 مواطناً أمريكياً هم المحلفون، يستطيع هؤلاء الخمسة عشر أن يتحكموا فى أي دولة عربية، ويصادروا أرصدتها.

أمريكا التي لا نعرفها….تتجه إلى تبنى مبدأ منرو – الذى صدر في رسالة من الرئيس جميس منرو إلى الكونجرس في 2 ديسمبر 1823م، وتبنى فكرة عزلة نصف الكرة الأرضية الغربي – وتدخل في حالة عزلة جديدة تعيد بها ترتيب أوضاعها، بعد أن تدهور اقتصادها بصورة لا ترضىي الملأ.

أمريكا التي لا نعرفها؛ تعرفنا جيداً… فمتى تتوافر لدينا نية المعرفة، والهمة والقدرة على معرفتها؟

المصدر: جريدة الأهرام اليومية

الرابط المختصر

التعليقات

  1. علي علي

    أحسنت يا دکتور
    لقد استفدت من مقالتک، من صورتها ومحتواها؛ فإنها بجانب إتقانها اللغوي تحمل معلومات قيمة تلقي الضوء علی جانب آخر من الهيمنة الأمريکية يجدر الانتباه إليها. وبرأيي بيت القصيد للمقاله هي الجملة التاليةـ«أمريكا التي لا نعرفها، تعرفنا جيداً».

    والشکر للقائمين علی هذا الموقع الإلکتروني علی حسن اختيارهم.

    بريدي الإلکتروني:
    azpoor2000@yahoo.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *