السبت - 10 ربيع الأول 1438 هـ - 10 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. بروفايل

في وجه العاصفة

في وجه العاصفة
نُشر في: الجمعة 28 أكتوبر 2016 | 12:10 ص
A+ A A-
0
بروفايل - راشد فضل:

من قلب أرض الموارنة والأرثوذوكس اليونانيين والمسيحيين من الروم الملكيين الكاثوليك، هبط ابن ترشيش القادم من قمة جبل لبنان، بفطرته الدينية السليمة ثابتًا ومرتفعًا بمواقفه، عند مبادئه، بوعي وفكر ومشروع متكامل ينتظر التنفيذ. تمكَّن من الوصول إلى مبتغاه حينما استطاع أن يثبت اسمه كواحدٍ من أهم المفكّرين الإسلاميين المعاصرين، وأبرزهم إلمامًا وإتقانًا بمدوّنة التراث الإسلامية. مثقفًا كامل الدسم لا يُشَق له غبار، متسنّمًا أعلى مدارج المعرفة، ومفكّرًا يجمع بين ثنائية العلمين، الديني والمدني، متجاوزًا للصغائر والضغائن. سخّر مخزونه العلمي الطاغي، وإجازاته العلمية في إنتاج كتب ودراسات، وكتابات ومقالات سياسية وفكرية تناقش همَّه الأول، الواقع العربي وعلاقات المنطقة، وتطوّراتها ومستجداتها مستصحبًا إيران دائمًا.

عبر رحلة بحثه الطويلة التي امتدت منذ ولادته في عام 1949م، ومرورًا بالقاهرة، حيث نهل العلم الديني في الأزهر، ثم محطة الفلسفة الواسعة بجامعة توبنغن الألمانية حائزًا منها على الدكتوراه، ظل مهتمًا بالقضايا الفكرية الكبرى التي تشغل أهل المنطقة. ناقش أزمة الفكر السياسي العربي مع زميله بلقزيز، والأمة والجماعة والسلطة كدراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي، وكتب عن مفاهيم الجماعات في الإسلام من منظور السوسيولوجيا التاريخية، واستعرض الجماعة والمجتمع والدولة، وتناول الإسلام المعاصر بنظرات في الحاضر والمستقبل، ثم توقف عند العرب والإيرانيين والعلاقات العربية الإيرانية في الزمن الحاضر.

هذا الأزهري القُح، رفض أن يكون رجل دين بإمكانيات محدودة، لثقته في نفسه، واستطاعته أن يُسهم في العمل الاجتماعي والعلمي العام، خاصة أن تجربته في أوروبا في مرحلة الدكتوراه أو حين عمله في جامعات الأوروبيين، اكتشف أن الدراسات الإسلامية شديدة الهول في أوروبا وأمريكا، ويمكنه أن يُسهم فيها بتصحيح الرؤية إلى الإسلام، سواء على مستوى المجتمع العربي أو المجتمع العلمي الغربي.

منذ وقتٍ باكر تناول العلاقة بين العرب والإيرانيين، وقدَّم روشتة لم يلتفت إليها أحد، حينما نادى بالتفكير في الجيوب الإيرانية الباقية أو المتكوّنة بسورية ولبنان، مدركًا المحنة الكبرى التي يواجهها العرب من المحيط للخليج بين التدخلات الإيرانية والأمريكية والإسرائيلية، ومحاولات تضييع الانتماء والمصالح الإستراتيجية، بالاندفاع نحو الأطراف الكبرى المؤثرة الأخرى، من الغرب والشرق، وفي تارات أخرى نحو إيران!

هو صاحب طرح المشكلتَين الكُبريَين (دون منازع)، الجيواستراتيجيا، وعلاقة الجوار والثقافة والتاريخ والمستقبل، ومشكلة الوعي بالدين ووظائفه ومقتضياته الاجتماعية والسياسية. ويعتبر أن (الأمة) ضربت في الصميم من خلال الإستراتيجية المتصلة بالجغرافيا والتاريخ والثقافة والمذهب.

استصحب المفكر اللبناني البازخ كل فسيفساء بلاده وخرج نظيفًا من التموضع، لكنه وقف بصلابة وقوة في وجه العاصفة، لهذا نجح في الخروج بقراءة متقدمة للعلاقة بين العرب والإيرانيين في الزمن الحاضر، وأجاب عن تساؤلات من (عيّنة) هل صحيح أن القومي والجيوإستراتيجي يمكن أن يغلبا على الثقافي والديني ويستخدماهما لصالحهما؟ وماذا عن الموجة التاريخية الرابعة من الصراع بين العرب وإيران؟، واستطرادًا بين الشيعة والسُّنة، وكيف اشترك الكبار في روسيا والصين والهند والولايات المتحدة وبريطانيا في فترة التسعينيات في مكافحة التيارَين الإشعاعيين الكبيرين؟.

لا يمكن المرور بسيرة مفكّر في قيمة رضوان السيد، دون التوقف في محطة المقال الأشهر (الحملة على الإسلام.. والحملة على العرب) الذي أشعل به حربًا فكرية، حينما هاجم ثلة من المفكرين ورموز التنوير في العالم العربي من أمثال أركون والشرفي وطرابيشي والعظمة، وأودنيس والهوني، ومعهم آخرون لم يُسمّهم أرادوا اجتراح إصلاح ديني، ورغبوا في تحطيم الإسلام السُّني – كما رأى -.

ليس غريبًا على السيد أن يكون وحده مَن يستذكر أن الإيرانيين حينما أنجزوا اتفاقهم النووى عام 2014 مع الأمريكيين وبقية أعضاء مجموعة (5+1)، أقبلوا على “شكر” أولئك الذين ساعدوهم في الوصول إلى ذلك الاتفاق “التاريخي” كما سمّوه؛ فبدأوا بـ”حزب الله”، ثم سمُّوا عددًا من الدول بينها روسيا والصين. ونسوا بقية أصحاب الفضل.

في الوقت الراهن.. ينظر إلى الجاري حاليًّا ضد حلب والموصل، على أنه حلقاتٍ في سلسلة تمضي من طهران إلى بغداد إلى دمشق وبيروت وغزة واليمن. ورأسُ الحربة في العملية كلّها طهران، وقد كسبت لها روسيا الاتحادية، وحيَّدت الولايات المتحدة بوعيٍ أو بتقدير إستراتيجي مختلف.

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *