الإثنين - 5 ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

“رذيلة رواية القصص”

“رذيلة رواية القصص”
نُشر في: الأربعاء 21 سبتمبر 2016 | 01:09 م
A+ A A-
0
فاطمة محمد

إبداء الرأي في رواية، يختلف عن إبدائه في سيرة ذاتية لشخص كتبها عن نفسه. لم تكن إيزابيل الليندي عند كتابتها لمرويّتها السيريّة: “باولا”، تقرّر نوع مكتوبها هذا. ففكرة الكتاب أولاً، بدأت كرسالة للفتاة “باولا”، ابنة الأم الكاتبة، والتي دخلت في غيبوبة طويلة، أرادت أمها أن توجه إليها عددًا من الرسائل، تحكي لها عن ماضيها، لخوف الأم من أن ذاكرة ابنتها قد تتلاشى مع امتداد فترة نومها وغيابها عن الوعي، وانتهت كنوع من البوح الذي امتدّ مترجمًا لأكثر من ثلاثين لغة أجنبية.

تحكي إيزابيل، هذه الجنوبية الساحرة، والمؤمنة بالخرافات. تحكي كمن يعيش في عالم الأرواح أكثر مما يفعل في عالم الأجساد، مؤمنة باللامحسوس واللامرئي، بكلام البصّارات والساحرات، أكثر مما تؤمن بنتائج الدراسات العلمية والتجارب المختبراتية.

تحكي عن جدتها التي نبتت لها في نهاية حياتها أجنحة قدّيسة، والتي جفف موتها أزهار الحديقة اليابانية، وعن جدها الذي عاش مئة عام ومات وهو جالسٌ على كرسيه، متكئ على عصاه ووجهه باتجاه العالم الآخر. عن والدها الذي لا تذكر منه سوى أنه يمرّ كتيّار هواء ذاهلاً ومستعجلاً، دون أن يُحدث فيها وفي إخوتها أدنى أثر.

ثم تحكي عن والدتها التي صاحبتها في كل أحداث حياتها، منذ أن كانت طفلة تلهو في قبو بيت الجد، وتسترق القراءة في كتاب ألف ليلة وليلة، والذي كان له الأثر الأعمّ في خلق عوالم السحر في عقلها الكتابيّ الذي كان خصبًا، لتنمو فيه غابات من الخيالات والكائنات غير المرئية، ثم تعترف: “اقترفتُ رذيلة لا بُرء منها، إنها رذيلة رواية القصص”.

ولأن الحاجة إلى الكلام كانت تتملكها، ولأن أكثر ما تقوله قد يوبخها الكبار عليه، صارت تكتب. ولأنها آمنت أن التمرّن الطويل على الكتابة يأتيها بالخلاص، كان هذا الكتاب “باولا”. والذي بدأ برسائل لتذكير ابنتها بالماضي حين تفيق، ثم صار محاولة للتنفّس والتنفيس، والبكاء المكلوم على شكل حروف وأسطر عديدة، كمحاولة للتشافي من الألم الذي احتلّ روحها وهي تفارق ابنتها.

كانت تفارقها ببطء، سنة كاملة من الترنح والانتظار في ممر الخُطى الضائعة في مستشفى مدريد، عام من النوم جالسة على كرسي خشبي، من رائحة مواد التعقيم والأدوية، من أصوات الأجهزة الرنانة، وخطوط الضوء الخضراء والحمراء، من الأنابيب التي اخترقت جسد باولا وجعلتها تبدو كأخطبوط.

بدأت إيزابيلا الجزء الأول من الكتاب بعبارة: “اسمعي يا باولا، سأروي لك قصة لئلا تكوني تائهة حين تستيقظين”. وفي القسم الأخير، كان قد أنهكها التعب والانتظار والأمل المتلاشي والرجاء الخافت، فكتبت: “لا أكتب الآن من أجل ألا تضيع ابنتي تمامًا عند استيقاظها، فهي لن تستيقظ”.

أقسى ما قد تشعر به أم هي أن تفقد طفلها، أقول طفلها، رغم أن باولا كانت قد تجاوزت الربع قرن من عمرها حينذاك، لكنها طفلة في عيني الأم، ككل أم. الأمومة هذا الثقب الأسود الذي يبتلع كل سنوات عمر الأبناء كل أخطائهم وهفواتهم، كل مشاكساتهم، ويكفي أن تظهر لحظة عصيبة في حياة هذا الطفل الكبير لتقاوم أمه من أجله، حامية إياه ومدافعة عنه كلبوة.

في ليالي المستشفى الطويلة جدًا، كانت أمنية الأم “ليتني أستطيع البقاء جامدة دون أن أتكلم أو أفكر أو أبكي أو أتوسل أو أتذكر، ليتني أستطيع أن أغوص في صمتٍ مطبق فربّما أستطيع عندها أن أسمعك يا ابنتي”. تخفت هذه الأمنية، يقلّ التفكير في احتماليتها، يطفو الموت كخيار رحيم لهذا الجسد الفتيّ الذي تعذب كل هذا الوقت، تتقبّل الأم التي شاهدت ابنتها تذوي شيئًا فشيئًا أمامها، كانت تودّ أن تصرخ حتى الاختناق وتمزّق ثيابها وتنتزع شعرها بكلتا يديها، وتغطي نفسها بالرماد، لتعيش الحداد.

 

 

 

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *