الإثنين - 5 ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

خطبة عيد باهتة.. رغم كبر عمامة خطيبها!!

خطبة عيد باهتة.. رغم كبر عمامة خطيبها!!
نُشر في: الأربعاء 21 سبتمبر 2016 | 10:09 م
A+ A A-
4 تعليقات
محمد خضر الشريف *

تقول الحكاية: إن رجلين أميين  -لا يعرفان فك الخط- ، نزلا على أهل قرية وتصادف دخولهما صلاة العصر فقصدا المسجد، وكان أحدهما يلبس عمامة كبيرة مثل عمامة أهل العلم في زمانه، وقد طالت لحيته وسواكه لا يفارق يده وفمه.

توسم فيه أهل القرية الخير فقدموه للصلاة إماماً فرفض، فألحوا في الطلب، كرر رفضه فلما أصروا ودفعوه دفعاً للمحراب، أصر على الرجوع للصف مقسماً بالله العظيم ألا يصلي بهم إماماً!! .

انتهت الصلاة وبعد التسليمة الثانية والأخيرة همس صاحبه في أذنه: أحرجت الناس وأحرجت نفسك وكسرت بخاطرهم، وقد توسموا فيك الخير وأنت تعلم “أن جبر الخواطر على الله”؟ والصلاة عصراً يعني سرية لن تقرأ فيها شيئاً جهراً فتخطيء فتحرج مع المصلين؟!

قال: هذا هو السبب.. وهو يشير إلى نعش جنازة في المحراب مهيأة للصلاة على صاحبها مضيفاً: صلاة العصر وعلمنا أنها ليست مشكلة لكن هذا القتيل الممدد “إيش أسوي فيه وكيف أصلي عليه؟!”

موقف صاحبنا “المعمم” هذا كان أفضل وأكرم من رجل آخر “معمم” أيضاً، كنت شاهداً على موقفه الغريب العجيب! .

صعد صاحبنا المنبر لخطبة العيد وما أدراك ما خطبة العيد.. في جامع كبير ممتلئ بمصلين ومصليات المنطقة بشوارعها وحاراتها المتلاصقة والمتباعدة، وهو رجل عادي ليس متخصصاً أو معيناً من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف مثلاً، بل إنسان عادي جداً بل أقل من العادي، وكل مؤهلاته ثوب فضفاض بأكمام طويلة قصير، ولحية مصبوغة نصفها بني داكن يميل للسواد يأبى الشيب إلا أن يفضح صبغتها طولاً وعرضاً وفوق وتحت حدودها!

ثم تفاجأنا أنه ليس متخصصاً في الشؤون الإسلامية بل هو مقيم عامل “خالي شغل” منتهية إقامته، يعني مخالف للنظام من عدة أوجه!

  فاجأنا بأنه دخل المسجد متأخراً فتخطى الرقاب ثم زاحم الناس في الصف الأول حتى قام من هو أحق بمكانه لأنه جاء مبكراً عنه فرجع للوراء ليحل هو محله ثم صلى، والسنة في العيد أن يجلس الداخل فلا يصلي لا تحية مسجد ولا صلاة قبلية ولا بعدية، ثم قفز قفزة سريعة للمحراب ونحن مازلنا نكبر؛ فصلى إماماً، ثم قفز سريعًا على المنبر بوريقات طول الواحدة ذراعاً وعرضها باعاً، نسخها نسخاً كما هي، وهو يقرأ ما كتبه في تلك الورقة الطويلة العريضة يستفرغ على السامعين كلمات هشة بصوت باهت ولغة ركيكة وأخطاء في آيات قرآنية، وإلقاء فاتر، يجلب النوم للسامعين، فلا يحرك فيهم حماساً لمعنى العيد ولا أهميته ولا أثره في النفوس!!

من الخطأ أن يصعد المنبر رجل هذه صفاته وهذه طريقته في الإلقاء، وهو يرى ويشاهد بجواره من هو متخصص في الخطابة والدروس الوعظية الارتجالية والمحاضرات الدينية والأدبية والفكرية والثقافية،  التي كان يسمعها منه ويشاهده وهو يلقيها أمام ناظريه، وله صولات وجولات في مساجد المدينة التي بقطنها، وله من المؤلفات الشرعية والأدبية والتاريخية المتعددة فوق الثمانين مؤلفاً ثم يتجاهله عمداً -هو ومن قدمه للخطابة أو كلفه بها- ويقفز للمنبر قفزاً دون حساب لهذا كله! .

خرجنا من المسجد، وبدلاً من التهاني بالعيد تبادل المصلون السؤال :من هذا  الخطيب!؟ ومن سمح له بالصعود للمنبر!؟ وما مؤهلاته العلمية والشرعية!؟ ولماذا لم نفهم منه شيئا وكأننا لم نسمع خطبة عيد!؟ ولم نستفد منها، راحت علينا حلاوة خطبة العيد !! .

وظلت تساؤلاتهم تطن في سمعي دون أن أتكلم..

وتوجه الغاضبون إليّ يلومونني كيف تكون حاضراً وفي الصف الاول، ونسمع تكبيراتك مجلجلة في مكبر الصوت ولا تخطب فينا العيد!؟ .

وتبسمت وأنا أجيبهم بهدوء:

لم يكلمني مشرفو المسجد عن الخطبة وهم يعرفونني جيداً ويعلمون أني- بفضل الله- لمثل هذا الموقف ارتجالاً مصحوباً بالطرح المرتب المنظم، واستيعاب الموضوع خطابة وقوة وتأثيراً، وتشهدون أنتم كذلك على ذلك باعتباركم حضرتم دروسي، وبعضكم حضر خطبي العديدة، وتشهد كذلك منابر جدة في أكثر من خمسة مساجد في عدة أحياء.

وفي عدة مساجد حتى خارج المملكة في بلدان لا أعرف أهلها ولا يعرفونني، لكنهم يتوسمون في الخير فيقدمونني للخطابة فجأة بدون مقدمات منهم ولا تقديم وتحضير للخطبة مني، والحمدلله يفتح الله بالفضل العميم والخير الكبير، بالرغم من ارتجالية الخطبة وعدم كتابتها ومفاجأة لحظتها ! .

لكن هذا الخطيب لم يعط أحداً فرصة، بل هو الذي انتهز الفرصة وتعمد أن يسابق للمنبر سريعاً؛ خوفاً أن يزاحمه أحد، وهو يعلم أن فوقه وفوق كل ذي علم عليم! .

إن خطبة العيد ليست درساً فقهياً عن الأضحية، وشروطها وعيوبها واستفاضة في أوصاف الشاة المعيوبة (عوراء بائن عورها أو عرجاء بائن عرجها  أو هزيلة بائن هزالها وووووو)..، وتذهب أغلب المساحة الزمنية للخطبة في تلك الشروط التي يمكن أن يلقيها الداعية في درس فقهي بعيداً عن المنبر .

خطبة العيد موعظة وتذكير وطرح لقضايا الأمة، وتعريف الناس بمعاناتهم ومشكلاتهم، وطرح الحلول لها وربط العيد ومعانيه بما يعيشه المسلمون محلياً وعالمياً،  والإفادة من فرصة الحضور الكثيف واستعداد المصلين للسماع للخطبة.

الخطابة مسؤولية كبرى ووجب أن يكون صاحبها مؤهلاً، ولديه علم، وقبل ذلك حباء، فإن لمح من هو أعلم منه ولديه من الخصائص والمؤهلات ما هو أفضل منه -وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء-، فعليه أن يقدمه ويصر على ذلك، وإلا فالإثم يلحقه؛ لأنه انتصر لنفسه ولم ينتصر للحق الواضح الذي هو مأمور شرعاً أن يتبعه، ويخضع له ومن قبله من قدمه للخطابة وكلفه بها .

ورحم الله السلف الذين كانوا يتدافعون الخطابة والفتاوى والإمامة، ويحيلونها إلى غيرهم تورعاً وخوفاً من تبعاتها.

* داعية وأديب وكاتب صحفي

الرابط المختصر

التعليقات

  1. على عبد الرازق خضر على عبد الرازق خضر

    الله يفتح عليك وأنت فخر لنا يا ،هاشمى،

  2. أبو ماجد أبو ماجد

    كلام جميل وعرض جيد من ابي أيمن لكن لدي استفهام عن السبب وراء احجام الإمام الأول عن الصلاة بالناس وما علاقة جنازة الميت في ذلك ..؟!

    • محمد خضر الشريف محمد خضر الشريف

      أهلا بأبي ماحد..
      الاول ليس إماما هو رجل أمي جاهل لايعرف القراءة واللكتابة، فضلا عن أمور الشريعة فلما رأى الجنازة علم انه لو صلى بهم العصر اماما فسيلزمه الصلاة على الجنازة وهذه بالنسبة له “ورطة كبرى”!
      أما العلاقة فالرجل الاول احترم نفسه وعرف قدرها فأحجم، والثاني لم يحترم نفسه ولم يعرف قدرها الحقيقي فتجاوز الحد وهو يعلم من أهو أقدر منه على هذه المهمة الصعبة، وسابق لميدان ليس هو فارسه، فأتى بالعجائب!، وقديما قالوا:” من تلكم في غير فنه أتى بالعجائب”!!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *