الإثنين - 5 ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

خارطة طريق مقترحة لمواجهة الفكر الضال

خارطة طريق مقترحة لمواجهة الفكر الضال
نُشر في: الخميس 01 ديسمبر 2016 | 09:12 م
A+ A A-
تعليقان
أ. د. غازي غزاي العارضي

ويمكن تسميتها إستراتيجية محاصرة الفكر المنحرف، في ظل تمدُّد هذا الفكر الضال واختراقه عقول الشباب، وإزاء الفشل الذريع في احتواء هذا الفكر في مختلف البلدان العربية، أقدِّم لإخواني الدعاة وطلبة العلم رؤية مختصرة تُمثِّل نقاطًا رئيسة ومهمة لمواجهة الانحراف الفكري، تقوم على اﻵتي:

أولًا: المنهجية:

وأعني بذلك اختيار منهج دعوي، وعلمي، وتربوي، وفكري، واقتصادي، وسياسي مُحكَم، غير قابل للتناقض والقصور، يقوم على قواعد وأُسس منضبطة، وهي:

– الشمولية، فالفكر متشعِّب ومرتبط بعضه ببعض ينشأ بذْرة، ثم نبتة، وهكذا يتشعَّب، فلا مناصَ من تتبُّع المقولات والشبهات المنحرفة المتعلقة بالعقيدة والسياسة والاقتصاد والفكر والعبادة.

– التكامل، فليس هناك فئة أو جماعة بمقدورها أن تتصدَّى وحدها لتلك اﻷفكار، فهنا تبرز ضرورة احترام التخصص كمطلب أولي وأساسي للنجاح، وهذا ما يتجاهله البعض بحُسن ظن، والحقائق تقول مثلًا: لقد كان ديدات (رحمه الله) مرجعًا من غير اﻷوساط العلمية، كأحد أبرز المناظرين في دعوة النصارى، ولم يخلفه مَن يسدُّ مكانه، ومواجهة الفكر الضال لا تُجدِي فيها العواطف والمجاملات، واﻹنشائية، وإنما الدعوة العلمية التخصصية من قِبَل اﻷكفّاء.

– الوحدة والاعتصام بحبل الله جميعًا، إحدى قواعد الشريعة الكبرى ومقاصدها العظمى التي يدور عليها فلكها، وتضافرت أركان اﻹسلام وشرائعه وآدابه على تأكيدها وترسيخها، وما نشاهده من تشرذم، وضعف، وتسلُّط اﻷعداء على المسلمين نتيجة التفريط في الأخوة اﻹيمانية، ولا يعني ذلك السكوت عن اﻷخطاء، أو الانحرافات الصادرة من هنا، أو هناك، وإنما النقد اﻷخوي المخلص البنَّاء، المفعَم باﻷدب الجَم.

وبهذه المناسبة أُعيد تصحيح المقولة الشهيرة (لنتفق على ما اجتمعنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا عليه) وهذه المقولة سمحت باختراق صفّ أهل السُّنة والجماعة من قِبَل أهل البِدَع المغلظة، وأفرزت فتاوى خطيرة من أمثال جواز التعبد بالمذهب الاثنى عشر، والصياغة المقترحة هي: (لنجتمع على كل اﻷصول، ويعذر بعضنا بعضًا فيما يسوغ الاختلاف فيه) مثل اختلاف التنوُّع، أو ما لا نصَّ فيه.

مع عدم جواز اﻹنكار في مسائل الخلاف، أما المذاكرة والمدارسة فتجوز بين طلبة العلم، ما لم تبعث على العداوة والشنآن، وعلينا أن نُقِرَّ الحق مع كل قبيل، وإكمال النقص، وردّ الخطأ من أي اتجاه بحِكمة ومحبة وحسن ظن، وعلم وبصيرة.

ثانيًا: الوسائل:

لا يمكن مواجهة الفكر الضال بوسيلةٍ بعينها، وإنما بكل وسيلة مباحة شرعًا، متاحة واقعًا، مع متابعة الجديد فيما يتعلق بتطور أجيال الوسائل.

ثالثًا : الأساليب:

تبقى الوسائل جامدة لا حِرَاك فيها ما لم تُحرِّكها اﻷساليب، فهي روح الوسائل، والتي تستنفد طاقتها، وبقدر حسن اﻷسلوب تحسن الوسيلة، وبقوته تقوى الوسيلة، والعكس صحيح.

وأمهات اﻷساليب هي: الحِكمة، والموعظة الحسنة، والجدل بالتي هي أحسن، وعليه فإن العنف والشدة والغلظة والقسوة من أخطر اﻷساليب التي تُفسِد وتُسلِب أثر الوسائل وثمراتها، مهما غلا ثمنها. وعلى العلماء والشيوخ والدعاة وطلبة العلم أن يدركوا أنهم لا يملكون إلا الكلمة، فلا يسيئوا إليها، ولو كان المنصوح كافرًا، كما قال تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحِكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).

وقال تبارك وتعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)، وقال “عز وجل” حكاية عن موسى وهارون عليهما السلام: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولًا ليِّنًا لعله يتذكر أو يخشى)، فكيف بمَن دونهم من أهل الإسلام، وإني لأعجب كل العجب!! كيف يخاطب العالِم، أو الشيخ، أو طالب العلم نظيره وأخاه، بألفاظ يترفَّع عنها ويأباها الطبع والخُلق القويم؟!!، وهي أقرب إلى ألفاظ الشوارعية والرعاع، منها إلى خُلق المسلم، والمقصود أن علاقة الوسيلة باﻷسلوب وثيقة وهي: علم لا ينال إلا بالدراسة على شيوخ الدعوة وأساتذتها، وتجارب الحياة ومخالطة الحُكماء وقراءة سِيَرهم.

القضية الثانية: إعادة اعتبار لتقدير العلماء والشيوخ والدعاة وطلبة العلم واحترامهم.

لقد نجحت الجماعات المنحرفة في دق إسفين بين العلماء والشيوخ والدعاة وطلبة العلم، وبين الشباب في مختلف أنحاء العالم، واستطاعت نزع الثقة منهم، وعزلهم عن الشباب، وأطلقت عليهم صفات وسمات وشبهات منفِّرة، وعلى الدعاة أن يبدؤوا بأنفسهم؛ فيحترم بعضهم بعضًا، فلا يخفى على الجميع أن عوام المسلمين أصبحوا يسمعون ويدركون الشتائم والسُّباب والتُّهَم التي يكيلها بعض طلبة العلم والدعاة لبعضهم البعض، والتي وصلت إلى حد الإسفاف والسقوط غير المسؤول، لذلك لا يمكن أن ننجح في محاربة الفكر الضال، وليس بين الدعاة والعلماء والشيوخ وطلبة العلم من المحبة والتقدير والألفة ما يُتيح لهم مد حبال التواصل والتعارف والتشاور والتعاون، وروح ذلك كله هي: المحبة والتآلف والالتزام بآداب الإسلام وأخلاقه.

القضية الثالثة: قُرب العلماء والشيوخ والدعاة وطلبة العلم من الشباب نفسيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا ودعويًّا وعلميًّا وماليًّا، وفتح صدورهم وبيوتهم ومكاتبهم للشباب في أفراحهم وأتراحهم، ومحاورتهم، سواء مباشرة أو عبر وسائل التواصل، ومن العجب أن تُقام مؤتمرات وندوات لحوار الأديان في الخارج يُنفَق عليها الملايين دون نتائج ملموسة، ونُهمل محاورة الشباب ومناظرة أرباب الفكر الضال في داخل البلاد العربية والإسلامية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

القضية الرابعة: تجديد الوعظ وأدب الإنشاد والمحاضرة، والمؤتمرات والندوات في عصرنا:

من الملاحظ أن الوعظ المعاصر لم يستطع أن يواجه الفكر الضال، وفشل في استقطاب التأثير على الشباب وصرفهم عن الفكر الضال؛ بسبب سطحيته وسذاجته، وتركيزه على البكاء، والضحك، والحماس الفجّ، والقَصَص الممجوج، وربما المكذوب، وسط اغترار رموزه بإقبال الناس عليهم.

لذلك لابد أن يتوجَّه الوعظ إلى معالجة مواضيع جرائم القتل، وخطورة الفِتَن السياسية، والاهتمام بشرح أدبيات وموضوعات السياسة الشرعية، وكل ما يتعلق بأخطاء جماعات التكفير والتفجير، وممارساتهم القاسية بلغة راقية تُشعِرهم بالحرص على نصحهم.

ويقتضي التجديد إدخال تحسينات جوهرية على المحاضرة المعاصرة، بحيث يكون التركيز فيها على البحث العلمي المضني، واكتشاف الجديد، ومناقشة الشبهات التي يطرحها الفكر الضال، من خلال وضع “بيلوقرافيا” تحصر جميع شبهاب الفكر المنحرف والرد عليها، وتزويد العلماء والشيوخ والدعاة وطلبة العلم بها.

أما واقع المؤتمرات والندوات فهو بحاجة للخروج من لبوس النخبة أو التركيز على البهرجة اﻹعلامية، والضجيج اﻹعلاني إلى التقرُّب الحقيقي من الشرائح الشبابية المستهدفة أينما كان تواجدهم، وليس في فنادق الخمسة نجوم، أما الإنشاد والشعر واﻷدب فثمة خلل يشوب مواده اﻷدبية، مثل بث الحماس المفتوح على مهاجمة اﻵخر، وعرض مظلومية المسلمين بأساليب حماسية خطيرة غير منضبطة، لذلك لابد من تجديد حقيقي لأدب اﻹنشاد وأشعاره يُعالج فيه التكفير والتفجير والتهوُّر وتشويه الدعوة اﻹسلامية، بأساليب بليغة مؤثرة.

وثمة منحى لا مناص من تجديده وهو: الخُطب المنبرية والدروس العلمية، حيث يشوبها ضعف التحضير وعدم مواكبة اﻷحداث، وضعف في الملكات العلمية، واﻷدبية والثقافية لدى كثير ممّن يتصدَّر للخطابة والتدريس.

القضية الخامسة: التكامل بين المؤسسات الرسمية والشعبية بشُعَبها وأجنحتها وأجندتها المدنية، واﻹعلامية، والفكرية والأدبية، والدعوية وفق خطة إستراتيجية منسَّقة ومُحكَمة، تنتفي فيها عناصر الازدواجية والتناقض، من أهم مهامها احتواء الشباب فكريًّا، ومهنيًّا ووظيفيًّا، وتوعويًّا، وعلميًّا، وتربويًّا.

القضية اﻷخيرة: المراجعة والتقويم والمصارحة والشفافية:

ما من عمل ينشد نجاحه، إلا ويتعرَّض لنكسات وإخفاقات، ولكنها للمخلصين دروس في النجاح، ومن هنا لابد من مراجعة دورية تعتمد على أدوات الدراسة الميدانية، كالاستبانة، والمقابلة، وغيرها من أدوات القياس العلمية الدقيقة.

وأن تتم المراجعة وفق الصبغة الجماعية عبر ورش العمل وحلقات النقاش، التي يُقيمها الخبراء والمتخصصون في كل المجالات.

الرابط المختصر

التعليقات

  1. عمرو عمرو

    أحسنا الله إليكم شيخنا المفكر الدكتور غازي

  2. فيصل الصاعدي فيصل الصاعدي

    بارك الله فيكم شيخنا الفاضل الاستاذ الدكتور غازي..خريطة موفقة ورؤية مسددةوأفكار متعددة ..
    لاخرمت أجرها

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *