الجمعة - 9 ربيع الأول 1438 هـ - 09 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

حكومة الملالي والفخ الأمريكي والعواقب الوخيمة

حكومة الملالي والفخ الأمريكي والعواقب الوخيمة
نُشر في: الإثنين 28 نوفمبر 2016 | 12:11 ص
A+ A A-
0
أ. د. غازي غزاي العارضي

المتأمل لتاريخ إيران، يلحظ تنوُّع وتعدُّد الدول التي بسطت نفوذها وحُكمها على تلك المنطقة المترامية الأطراف، ابتداءً بالدولة الأموية وانتهاء بدولة الملالي التي تجشَّم بكلكلها اليوم على تلك البلاد التي يتقاسمها عدد من الإثنيات والأجناس والمذاهب، ويُعتبر المذهب الاثنى عشري طارئًا على شعوب إيران، ولم يكن انتشاره عن قناعة وقبول من تلك الشعوب، وإنما حُمِلوا عليه بالقوة، لاسيما أهل السُّنَّة والجماعة، فقد أعملت الدولة الصفوية فيهم السيف بالقتل وتدمير مساجدهم، وقتل علمائهم في طول إيران وعرضها، وإرغامهم على التشيُّع، ابتداءً من عام 1501م، حيث أقام إسماعيل الصفوي دولته على أساسَين:

1- المذهب العشري مذهبًا بغلو وتعصّب وتطرّف وتحريف.

2- الجنس الفارسي قومية وتراثًا، وإقصاءً للشعوب الأخرى، مشحونًا بالحقد على الإسلام السُّنِّي متأثرًا بسقوط الدولة الفاطمية الشيعية على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي، وتحالف مع الإسبان والبرتغاليين ضد الدولة العثمانية والإمارات العربية على ضفاف الخليج العربي، وكانت تلك الدولة المتعصّبة قد جلبت على العالم الإسلامي كل ألوان القلاقل، ومن أهمها:

1- الوقوف أمام انتشار الإسلام في أوروبا، حيث دخلت في حروب دامية على حدود تركيا، وفي داخل إيران، وعلى ضفاف الخليج العربي والعراق، وقاتلوا أصالة ونيابة عن الدول الأوروبية ضد الدولة العثمانية السُّنِّية.

2- إثارة الخلافات المذهبية في البلاد الإسلامية التي جرت بسببها أنهار من الدم، وألوان لا تُحصى من الفتن والإحَن.

3- التحالف مع الدول الغربية المستعمرة الجديدة، ومساعدتهم على احتلال الموانئ الخليجية وتدمير قلاعها.

4- مسخ المذهب الشيعي كليًّا، وصبغه بمسوح مجوسي خالص، يعتمد على الغلو وتعبئة الجماهير بالبكائيات، وشحن صدور الشيعة ضد الصحابة، والطعن في مصادر الإسلام من الكتاب والسُّنة وحملتهما من العلماء والأئمة، وإشعال فتيل الشعوبية ضد العرب، وتدشين حركة تأليفية كبرى، تقوم على فلك الغلو، وتأصيل التعصب، وتزييف حركة التاريخ.

هذه الدولة كانت الأنموذج والقدوة لدولة الملالي التي أسَّسها الخميني بدعم من المخابرات الأمريكية، فمنذ ثورة رضا بهلوي ضد الدولة القجارية سنة 1925م، تولى رضا بهلوي مقاليد الأمور في إيران، وحين بدت ميوله نحو هتلر أسقطه الحلفاء، وولّوا ابنه “محمد رضا بهلوي” الذي ذهب ضحية انقلاب من رئيس وزرائه مصدق بدتبير من المخابرات الأمريكية ثم أُعِيد مرة أخرى بالوسيلة نفسها، ومنذ تأسيس الدولة البهلوية، تولى الحلفاء ثم أمريكا اللعب بمصير شاه إيران، كما تشاء، وحين وجدت البديل في زلزلة المنطقة وإيقاظ براكين الفتن فيها، اختارت الخميني بديلًا، وقد نشرت جريدة الشرق الأوسط قبل أكثر من ثلاثة عقود على حلقات مذكرات أحد الصحفيين الأمريكان يُدعَى كوبلاند، يوضح فيها دور المخابرات الأمريكية في دعم ثورة الخميني وإنجاحها.

من هنا تبدأ خيوط المؤامرة الأمريكية لتوريط دولة الملالي في الوقوع في شَرَكها، حيث لوحظ التوافق المنهجي بين الدولة الصفوية والخمينية في الرؤية والرسالة والأهداف والتحالف مع الأوروبيين في سبيل محاربة الإسلام السُّني، فالخميني قضى فترة دعوته الذهبية في فرنسا، وأقلّته طائرة فرنسية إلى طهران، فتقبل بصدر التحالف مع الأوروبيين مستخدمًا التقيَّة السياسية والإعلامية لخداع السُّذَّج من أهل السُّنَّة، خاصة الجماعات الإسلامية ذات النوازع السياسية، التي لا تضع في أجندتها اهتمامًا يُذكَر للبُعد العقدي، ولنتذكَّر رفض أمريكا استقبال الشاه الطريد، الذي كان يُمثّل شرطي الخليج في نظرها.

لقد كان إعجاب الخميني بدولة الصفويين محل اهتمام ومحط أنظار المخططين الإستراتيجيين الأمريكان، حيث أرادوا أن يُعِيد سيرة دولة إسماعيل الصفوي من جديد، انطلاقًا من فكرة تصدير الثورة، فدخل في حرب مع العراق اضطر لإيقافها مرغمًا، بيدَ أن ثورته أخذت بعد ذلك اتجاهَين كبيرَين، مما ساعد الأمريكيين في إيقاع دولة الملالي في شركهم دون وعي.

الأول: الشعارات الدعائية التي يتصدَّرها الموت لأمريكا والموت لإسرائيل، بينما في السر تلتقي المصالح ويتم التنسيق في الخفاء، وصدّق المغفلون من بعض العرب والمسلمين، ومنهم بعض الجماعات الإسلامية، مع افتعال بعض الأزمات التي توحي بوجود خلافات عميقة بين الطرفَين، بينما تزداد العلاقات متانة وراء الكواليس من جهة، ومع أحب حلفاء أمريكا من جهة أخرى، حيث بلغت الاستثمارات الإسرائيلية في إيران 30 مليار دولار، وتجاوز الأعضاء اليهود في البرلمان الإيراني 25 عضوًا، وهناك أكثر من 20 كنيسًا يهوديًّا في طهران وحدها، بينما لا يوجد مسجد واحد لأهل السُّنَّة، فيضطرون لصلاة الجمعة في السفارتَين السعودية والأردنية، وامتد التعاون الأمريكي- الإيراني في تزويد طهران بالسلاح، كما هو في حادثة إيران كونترا.

الثاني: الدعوة الناعمة للتشيّع في كل أصقاع العالم الإسلامي، وقد غضت أمريكا عن النشاط العالمي لإيران، وسمحت بتوظيف استثمارات شيعية على سبيل المثال في ناطحات سحاب بنيويورك بلغت غلتها السنوية 5 ملايين دولار، وقد فرضت في المقابل قيودًا صارمة ضد العمل الإغاثي السُّنِّي في داخل الدول الإسلامية وخارجها، وحُلّت كثير من المنظمات السنية الفاعلة كمؤسسة الحرمين، وحُجِّمَ البقية، وأصبحت دولة الملالي اللاعب الوحيد في الميدان جنبًا إلى جنب مع التنصير، هذا الدعم أغرى الملالي في طهران بصرف 70٪‏ من موارد الدولة في نشر التشيّع والفكر الثوري الخميني.

وقد أدرك الخبراء والمخططون الأمريكان أن دولة الملالي هي المؤهّلة أكثر لمحاربة الإسلام باسم الإسلام، بما لا تستطيعه إسرائيل ولا الأحزاب العلمانية وكُتَّابها الليبراليون والعلمانيون في العالمَين العربي والإسلامي، وكذا ضعف أهلية التيار الصوفي بديلًا.

فقرَّرت مزيدًا من الخطوات لفتح شهية الملالي المتعطشة للتوسُّع والانتقام لسقوط الحضارة الكسروية والدول الشيعية، وإمعانًا في خداع الملالي وخداعهم، أقدمت على غزو العراق، وسلَّمته على طبق من ذهب بتعاون مع الملالي، كما صرَّح بذلك أبطحي نائب الرئيس الإيراني خاتمي، كما أسقطت دولة طالبان السُّنِّية المتقيّدة بالمذهب الحنفي، والتي لم تكن لها طموحات ثورية أو توسعية، فمكَّنت للأحزاب الشيعية في أفغانستان حتى بلغ عدد وزرائها في الحكومة أربعة عشر وزيرًا، وأطلقت يد إيران في بناء الجامعات والبنية التحتية للنفوذ الإيراني، ولم تزل أمريكا تمدُّ حبائل المكر لأصحاب العمائم أكثر وأكثر، والذي تُوّج بالاتفاق النووي بشقه السياسي السري، وإطلاق يد حكومة الملالي في المنطقة، وقلبت ظهر المجنّ لدول الخليج، فعارضت تدخُّل قوة درع الجزيرة في البحرين، وتماهت مع الحوثي في اليمن تشجيعًا لتورط إيران في المستنقع العربي، وبلغ أوجّه مراوغتها بالصمت المطبق لنفوذها في لبنان تحت نشاط حزبها اللبناني، وتدخّلها المفرط بجيشها وفيلقها وميليشياتها في الحرب في سوريا.

كل هذه المعطيات المختصرة دون الدخول في التفاصيل الدقيقة تثبت لنا استدراج أمريكا لدولة الملالي؛ للوقوع في فخِّها، والمحصِّلة النهائية التي غابت عن أذهان الملالي الآتي:

1- إن إيران ليست دولة عظمى، تتحمَّل تبعات التوسُّع الديمغرافي والجيوسياسي.

2- إن طموحاتها لا تتواءم مع قدراتها وطاقاتها.

3- إن إيران لم تجنِ مكاسب حقيقية، فمثلًا تنفق على حزبها في لبنان أكثر من 400 مليون دولار شهريًّا.

4- أنفقت مليارات الدولارات على حكومة بشار دون فائدة وعِوَض يُذكر سوى الصخب الإعلامي الفارغ، وساقت آلاف الإيرانيين والميليشيات في لبنان والعراق وأفغانستان إلى محرقة حياض الموت.

5ـ أنفقت منذ عام 1991م على التدخّل في اليمن، ومساعدة الحوثي بمليارات الدولارات، ودُمِّر أكثر من 80٪‏ من جهدها في عاصفة الحزم، وأصبح حلم السيطرة على اليمن بعيد المنال فضلًا عن الوصول إلى الحرمين الشريفين.

6- بُذِلت في سبيل نشر التشيُّع والفكر الخميني آلاف الملايين من الدولارات، واستقدمت مئات الآلاف من الطلاب ذكورًا وإناثًا من أنحاء العالم الإسلامي، دون أن تحقق حلمها الثوري المنتظر، أو تنقل مجتمعات سُنّية كاملة الى التشيّع، فضاعت جهودها الضخمة، في محيط متلاطم من أهل السُّنة، وإنما بقيت مجرد نتوءات وتجمُّعات صغيرة هنا وهناك، وقد طردوا من بعض البلدان، ومُنِعوا في كثير منها.

ويبدو أن أمريكا ما زالت تُغري حكومة الملالي للدخول في حرب خليجية ثالثة؛ لتكون دمارًا ووبالًا على المنطقة بأسرها عدا ربيبتها إسرائيل، وتدلُّ المؤشرات على أن حكومة الملالي منساقة وراء الإغراء الأمريكي المدمِّر، كما تشير التقارير عن حشودها العسكرية في جزيرة الفاو العراقية، وإعلانها عن نوايا الحشد الشيعي في العبور إلى سوريا، والاعتراف به رسميًّا في برلمان حكومتها العميلة في بغداد، وفتح قواعدها البحرية والجوية أمام الحليف الروسي الجديد، والتصريحات المتهوّرة لمسؤولي حكومة الملالي، حول عدد من القضايا العسكرية والأمنية والسياسية الحساسة، التي تشير إلى مدى التهوُّر لعقول الملالي الجامحة، التي ستضع المنطقة برمتها على صفيح ساخن ، والحقيقة التي يجب أن يفهمها الملالي في طهران أن الحرب ليست في مصلحة إيران للأسباب التالية:

1- أن القومية الفارسية الحاكمة في طهران تشكل 30٪‏ من سكان إيران، بينما بقية الشعوب مهمّشة وخانقة جدًّا، وتشعر بالغبن، وتنتظر ساعة الصفر، لاسيما البلوش والعرب والأحوازيين العرب، والتركمان.

2- إن دول الخليج لن تقف مكتوفة الأيدي، وستقاتل بكل ما تستطيع من قوة، ولن تسمح المملكة العربية السعودية بتدمير حقول نفطها الكبيرة، وإحراق مدنها الصناعية الضخمة، وخراب محطات مياهها العملاقة فضلًا عن تهديد الحرمين الشريفين، وسيكون استخدام الترسانة النووية السعودية قاب قوسين أو أدنى، ثم لا تسأل عن مصير إيران بعد ذلك؟!!

3- إن استهداف الحرمين الشريفين من قِبَل إيران، سيثير حفيظة العالم الإسلامي السُّني بأكمله شعوبًا وحكومات، ولن تكون دول الخليج الوحيدة في المعركة.

4- إن أمريكا لا يهمُّها إيران ولا العالمَين العربي والإسلامي، وليذهب الجميع إلى الجحيم، بقدر ما يكون تفوُّق ربيبتها (إسرائيل)، وهذا ما لم يشعر به حكام طهران حتى الآن، من استدراج منسّق وطويل الأمد للوقوع في الفخ الأمريكي المدمِّر.

إن أمام حكومة الملالي فرصة تاريخية نادرة، لبناء صرح حضارة ونهضة تنموية كبرى، تجعلها في مصاف الدول الكبرى، متى تحلَّت بالشروط التالية:

1- أخذ العبرة من الحقبة الاستعمارية، حيث تخلَّت تلك الدول عن طموحاتها الاستعمارية، وانكمشت على حدودها، واكتفت بالنفوذ الاقتصادي والثقافي والسياسي، وجعلت من تلك الدول المُسْتَعْمرة أسواقًا لمنتجاتها.

2- التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن فكر الثورة الخرافي، الذي لن يتقبّله العالم، فضلًا عن العالم السُّنِّي العريض؛ لتناقضه الصارخ مع تراثه وثقافته وتاريخه وعقيدته جملة وتفصيلًا.

3- إن إيران تملك من أسباب النهضة ما يؤهِّلها باقتدار على المنافسة الحقيقية نحو الصفوف الحضارية الأولى المتقدمة، فهي ثاني بلد في العالم في إنتاج الغاز، وتعتبر إحدى الدول الكبرى في إنتاج النفط، وتحفل بثروة زراعية هائلة، وبيئة رائعة، وتاريخ حضارة باذخة.

فهل أدرك حكام طهران ما تحيكه أمريكا وتُدبِّره، وفق إستراتيجيتها لدمار إيران ودول المنطقة أم ما زالوا في غيِّهم يعمهون؟!!

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *