الأربعاء - 7 ربيع الأول 1438 هـ - 07 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

حركية الفعل الثقافي ومقوِّمات بناء المجتمعات الحديثة

حركية الفعل الثقافي ومقوِّمات بناء المجتمعات الحديثة
نُشر في: الثلاثاء 19 يوليو 2016 | 03:07 ص
A+ A A-
0
حسن الأكحل

لا يمكن لأي أحد أن يتجاهل الدور الأساسي الذي يلعبه الفعل الثقافي في تشكيل آليات التواصل والاندماج بين الأفراد والجماعات، وكل جزئيات إنتاج القيم والأنساق الفكرية.

فمنطق التحليل البسيط لحركية الفعل الثقافي من زواياه المتعددة مجاليًّا وكرونولوجيًّا يعطي الانطباع بأن البناء الاقتصادي ونظم الحكم والعلاقات التجارية، ونظام التعليم، والفلاحة والعمران، وحدة متكاملة يؤطِّرها فضاء فكري، وسياج سوسيولوجي يتفاعل أفقيًّا وعموديًّا مع مختلف التحولُّات التي يفرضها الفعل الثقافي.

فالثقافة بكل مكوِّناتها وأبعادها الدلالية، وحمولاتها المفاهيمية، هي تعبير مركّب يمزج كل التعابير المجتمعية ضمن سياق تاريخي يدمج كل التفاصيل من معتقدات وعادات وتقاليد، ولغة تواصل، وأشكال تنظيم العلاقات الاجتماعية، ومختلف الوسائط، في فضاء يتداخل فيه المكوِّن الثقافي، ويصبح كقاعدة أساسية في فهم العلاقات بين الفرد والجماعة، وآفاق تحوُّلها ضمن واقع تتجسَّد فيه كل المفاهيم والرموز كلبنةٍ أساسيةٍ لبدايةٍ تشكّل المجتمع.

وانطلاقًا مما سبق، فالتحليل البنيوي للبناء المجتمعي هو آلية ميكانيكية تجعل الإنسان كائنًا بشريًّا واجتماعيًّا محور كلِّ تحوُّلٍ نوعيّ على كافة المستويات (المعاش ـ العمران ـ التجارة ـ الفلاحة ـ الصناعة)، ويؤطره منظوم فكري محكوم بخلفية ثقافية تذوب فيها كل الإرهاصات وأنماط التدبير والتعبير والتواصل، وكل ما يجعل الإنسان مصدرًا لإنتاج القيم.

فالمجموعات البشرية من خلال القراءات السوسيولوجية والتاريخية، سواء كانت شرقية أو غربية، راهنت في تحوُّلها وتطوُّرها على قدرة فهم علاقتها بالآخر، وإدراك قدرته على التحوُّل من مجتمع يصنع الفِعل الثقافي، ويؤثر في منظومة القيم، ويدفع بها نحو التفاعل الإيجابي في تجاوز مُعيقات الانتقال التاريخي والمجالي.

ولقد شكَّل بروز المدارس التاريخية الحديثة كمدرسة الحوليات، وتطور البحث السوسيولوجي بمختلف تفرُّعاته، وعلم اللسانيات، على التأكيد بأن الفعل الثقافي آلية مدققة ومضبوطة تتحكَّم جغرافيًّا وزمنيًّا في بناء وتحديث المجتمعات البشرية.

ومن هنا لم تُشكّل المنعطفات الهامة التي عاشتها أوروبا في نقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى، بالرغم من الرجَّات والمنعطفات التاريخية الهامة، بقدر ما كان الفعل الثقافي صمام أمان، وحاضرًا بقوة، وساهم بشكلٍ سلس، وفي سياق تفاعلي في استشراف المستقبل.

فالعصر الفيودالي، وعصر النهضة والأنوار، ما هو إلا امتداد عملي لكيفية بلورة علاقة الإنسان بمحيطه بشكل إيجابي دون أن يؤثر عليه ثقل الزمن التاريخي بمحطاته الحسَّاسة ومنعرجاته الخطيرة؛ لأن نواته الصلبة كان يؤطرها الفعل الثقافي وتفرُّعاته المتعددة.

لقد ترسّخت لدى أغلب الدارسين والباحثين في حركية الفعل الثقافي أن المجموعات البشرية عبر مسارها التاريخي كانت توَّاقة للاستقرار لبواعث نفسية وسيكولوجية، وهذا ما أجبرها بالرغم من الصدام والصراع داخل محيطها الضيق، على إيجاد صيغ للتعايش والاتفاق، وكانت وفرة الماء والغداء خطوة أولى في بداية التأقلم مع المجال، ثم جاءت الرغبة في العمران (المغارة ـ الكوخ من أوراق الأشجار، ثم في مرحلة ثانية من الطين)، ثم تأتي مرحلة الزراعة، ثم ادخار المنتوج، ثم بداية مرحلة المقايضة، ثم التجارة، ثم بداية الصناعة اليدوية للأدوات الفلاحية وغيرها من الوسائل التي تُسهم في تيسير الحياة.

وكان اللباس والطبخ والتعليم وأشكال المعمار وتنظيم المهن والحِرَف أهم الجزئيات المفصلية في تطور وعي الإنسان بمحيطه دون أن نتجاهل عملية التأثير والتفاعل مع طبيعة المجال.

في خضمّ هذه التحوُّلات الكونية التي عاشتها التجمعات البشرية، بدأت تظهر بعض الإرهاصات والمضامين الفكرية من أجل مواكبة هذا التطور؛ بغية إيجاد ما يمكن أن يُساهم في تحسين شروط وظروف العيش، ولم تكن قضايا البناء المجتمعي في شِقِّه العمراني والمعاشي بعيدة كل البُعد عن حركية الفعل الثقافي الحاضن لمختلف هذه التموُّجات والتفاعلات على مستوى إنتاج القيم، وتكريس منطق الذات والحفاظ على الهوية.

وهذا ما أفرز مجموعة من النقاشات داخل هذه التجمُّعات في شتى المجالات العقائدية والفلسفية، وأفرزت مدارس متعددة في ترتيب حاجيات المجتمع في مجالات الإبداع والحرية والاقتصاد والتواصل والعمران، وتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وقد كان لجمهور الفلاسفة والإصلاحيين قصب السبق في تكريس هذه الاختيارات، والتعبير عنها (قيم الجمال، الحقيقة، الحرية، الإبداع، السعادة، العقل).

غير أن ذلك لم يمنع من كون هذا النقاش عَرف في بعض محطاته صدمات قوية وعنيفة أثَّرت، وبشكل كبير، على التحوُّل المجتمعي في بعض الأحيان، وقد أحدث عصر الأنوار والثورتَين الفرنسية والصناعية رجَّة قوية في بداية تشكُّل ما أصبح يُعرف بالمجتمع المدني الذي ساهم وبشكل فعَّال في التحوُّل بالرغم من الضغط الذي خلقه التحالف المصلحي والمنفعي بين الكنيسة والنبلاء لفرملة أي تحرُّر فكري واقتصادي.

غير أن لفيف مثقفي الأنوار والإصلاحيين الدينيين خاصة في ألمانيا، وبداية بروز تيار فكري واقتصادي جديد سيعجِّل بظهور ما سيُسمَّى لاحقًا بالمجتمع المدني، والذي سيقود مستقبلًا التحوُّل داخل أوروبا انطلاقًا من جدلية الفعل الثقافي التي تربط بين الجزء كقاعدة صلبة في التحليل البنيوي (الممارسات ـ السلوك ـ العادات ـ التقاليد ـ تنظيم المجال) وقضايا المجتمع في شموليتها كإطار فكري وأخلاقي (النظم الاقتصادية ـ مناهج الحكم ـ النسق التعليمي)، والذي سيُعزِّز آليات الفصل على مستوى المقاربة السياسية والاقتصادية والفلسفية والمجتمعية مع بداية الثورة الصناعية في إنجلترا، ويتجسَّد فعليًّا بتقسيم اجتماعي مؤطّر بخلفية اقتصادية، ومضامين فكرية، وهذا ما سيُحدّد من الناحية الفعلية ببروز تيارات إيديولوجية ستكون الوعاء الحاضن لهذا التقسيم المجتمعي الجديد أو ما سيُعرَف لاحقًا بالصراع الطبقي في تمظهراته المتعددة بين نموذجَين من التحليل، أملَتهما التوجُّهات الاقتصادية والصراع على فائض القيمة والإنتاج، وبين توجُّه يدافع عن إنسية المجتمع واحترام كرامة البشر.

وكان لهذا الصراع الفكري والإيديولوجي تأثير على الطبقات الاجتماعية التي ستخلق آليات مضادة محكومة بخلفية ثقافية، وإطار فكري سيتبلور عمليًّا بأدبيات الفكر الاشتراكي مقابل رأي يدافع عن حرية المبادرة وحق التملك لكل وسائل الإنتاج دون أن نتجاهل في تقييمنا أن حركية الفعل الثقافي وطَّنت هذا الصراع ضمن سياق معقَّد سيدفع المجتمع الأوروبي إلى تعزيز وتحصين الحماية الذاتية والوقاية الفكرية لكل أنساقه المجتمعية، والتي ستتعزز بفعل الحروب الطاحنة التي شهدتها أوروبا؛ مما أدى إلى ظهور نخب فكرية توطِّد دعائم هذا التقسيم المجتمعي الجديد (العمال ـ الفلاحون ـ المثقفون ـ النبلاء ـ البورجوازيون)، وتقوّي آليات الصراع الذي قد يأخذ طابع الضغط والإكراه والتفاوض، وهذا ما سهَّل على المجتمعات الأوروبية الانتقال من الصراع الدموي في حل قضاياها إلى إيجاد وسائط وبدائل قادرة على أن تُيسِّر البناء المجتمعي في مرونة واضحة، وآليات مضبوطة تنتقل بشكلٍ تسلسلي ضمن سياق تاريخي ومجالي أعاد بناء هذه المجتمعات وفق منظومة محكمة دون أن نتجاهل ما وفرته النهضة الأوروبية من إمكانيات هائلة، وآثار نفسية في إعادة بناء هوية هذه المجتمعات وفق مشروعية مبنية على التراكم الحضاري (المدنية) والقوة العسكرية.

وهذا ما سيؤدي في بداية القرن الـ19 إلى ما يُعرف بالإمبريالية أو حركة التوسُّع الاستعماري التي جاءت ضمن سياق البحث عن الوفرة والثروة والرخاء والتوسُّع نحو عوالم أخرى تحت غطاء نشر المدنية والحضارة الجديدة، حيث سينقل النقاش من محيطه الضيق إلى فضاء أرحب من خلال الاحتكاك بتجمّعات بشرية أخرى لها خصوصياتها الفكرية وهويتها الثقافية.

وإذا انتقلنا إلى الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية، حيث يمتد عالمنا العربي بشرقه وغربه، فالبنية الاجتماعية السائدة في هذه الرقعة الجغرافية هي القبيلة ومجتمع المدينة، وحسب الأونثروبولوجيين والسوسيولوجيين، فالقبيلة هي بنية انقسامية مطبوعة بالانغلاق والانفتاح والانكماش، ويغلب عليها عدم الاستقرار لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، فالطبيعة الجغرافية من هضاب وسهول وصحاري وجبال، ومناخية من جفاف ورطوبة ومياه، وهذا ما فرض على القبيلة كمكوِّن أساسي وثابت في أي تحوُّل مجتمعي التنقل والترحال بحتًا عن المراعي أو هروبًا من الفتن والصراعات الداخلية، وبالتالي فإن هذا النمط من العيش ساهم عمليًّا في استحالة تحوُّل هذه البنية إلى قوة ضغط أو عامل تأثير على المجالات المحيطة بها، باستثناء امتدادها الطبيعي داخل البادية.

ومن هنا تأتي شروط التأثير والتحوُّل من وسائط أخرى كالزوايا والنقباء والأنساب الشريفة، والفقهاء، والذين يمتلكون المشروعية الروحية التي تخوِّل لهم سلطات أخلاقية وقيمًا رمزية تجعلهم يتوسّطون في النزاعات حول المراعي والمياه، والصلح بين أفراد القبيلة أو القبائل الأخرى، أما الوسائط الأخرى فهم الأعيان (وفرة الإنتاج ـ الأراضي) والقياد والشيوخ الذين يمثلون السلطة المركزية، وتُعتبر المواسم الدينية والأسواق الأسبوعية هي المتنفس الطبيعي للقبيلة وللبادية على العموم.

أما المدينة فهي عبارة عن بنية اجتماعية مغلقة، ترتب فيها العلاقات بشكل دائري، حيث الحرفيون والصُّنَّاع والتجار والنساخون والعدول، ثم بيوتات العلماء ـ النقباء ـ الشرفاء ـ الفقهاء ـ الطلبة ـ الأعيان ـ أهل الحِل والعقد ـ الوافدون من الأندلس والشرق العربي بالنسبة لمجتمعات الغرب الإسلامي.

كما أنها تعتبر نقطة استقطاب للقوافل التجارية والأسواق الأسبوعية، هذا التكامل على مستوى الأدوار الاقتصادية والاجتماعية أهَّلها لتطوير وظائفها، وتجديد قدراتها وفق أنساقها الثقافية، وتركيبتها الاجتماعية (اللباس ـ الطبخ ـ العادات ـ الأعراس ـ المعمار) على التحوُّل الذي يظل محدودًا بفعل عوارض مجالية وتاريخية، كالجفاف والأوبئة والأمراض الفتاكة أو الفتن والنزاعات الداخلية، وهذا ما أثَّر على تطور البنيتَين (القبيلة والمدينة)، وحتمًا على كل منهما التململ والتغيُّر بشكل معزول معتمدتَين على مضامينهما الفكرية والثقافية، كما أن الوسائط المادية وغير المادية أسهمتا بشكل كبير في توجيه مسارَيهما، والتحكُّم في بنيتَيهما وفق معطيات الجغرافية والتاريخ.

إن القراءة الموضوعية التي تفسِّر الاصطدام الذي حدت في القرن الـ19 ومطلع القرن الـ20 ما بين الإدارة الاستعمارية بكل مكوِّناتها (البعثات التبشيرية ـ الرحلات العلمية ـ القوة العسكرية)، والبنيات القائمة داخل بلدان الجنوب (الدول المستعمرة) أفرزت نوعًا من النقاش والجدل سرعان ما تطوَّر إلى مواجهات عنيفة تكشف استحالة التعايش بين نمطَين من التأويل، كلاهما له مرجعيته ومضامينه الفكرية وحركيته الثقافية المبنية على الهوية والرصيد الحضاري، وهذا ما عجَّل بنهاية الاستعمار.

كاتب ـ فاعل ثقافي ـ نقابي وحقوقي مغربي

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *