الجمعة - 9 ربيع الأول 1438 هـ - 09 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. قضايا وتقارير

حجاج القصيم في زمن الـ (بلاكش).. شهرين في الطريق والدرجة الأولى بـ12 ريالًا

حجاج القصيم في زمن الـ (بلاكش).. شهرين في الطريق والدرجة الأولى بـ12 ريالًا
نُشر في: السبت 10 سبتمبر 2016 | 03:09 م
A+ A A-
0
المسار - علي الحربي - القصيم:

كل عام ومع اقتراب موسم الحج؛ لا يغيب عن أذهان كبار السن في المملكة مشهد أول حجة، حيث الغربة عن الأهل، ومدة السفر، ووعورة الطريق، والاختلاط مع حجاج آخرين لا يعرفون سبيلهم ،ولا يتقنون لهجتهم، ولا كيف مأكلهم ومشربهم، ليعودوا إلى أهلهم وأوطانهم مُحملين بالهدايا والأجر، والذاكرة “المذهولة” من هول المنظر.

ولا تكتمل تلك المشاهد في أذهان جيل السيارة والطائرة والتقنية ومخيمات النجوم الخمس؛ إلا عندما يرويها الحاج “السبعيني” مبارك نايف المسعد لقراء (المسار) مستذكرًا فواصل جميلة لزمن الطيبين.

سيارة “البلاكش”

سيارة بلاكش

يقول الحاج “مبارك” الذي تغطي عيناه طبقات الجلد وكأنها تكتب على جبينه عدد السنين: أنا أختلف عن غيري من أقراني الذين تجمعني بهم رعاية الغنم والإبل؛ فقد كنت محظوظاً لأن والدي كان ينقل الحجاج بواسطة سيارة “البلاكاش” وقبلها على “ركاب الإبل”، فعندما كنت في الثامنة عشر من عمري أخبرني والدي أن الحج على الأبواب ، حيث أنهينا للتو شهر رمضان المبارك ونتلقى التهاني بعيد الفطر ،وبدأ الناس يتوافدون على والدي للسلام وحجز مقعد في سيارة “الفرت” و”اللوري” حيث استطاع والدي وأعمامي الشراكة وشراء السيارات وموديلها 1940 ، ويسمي الناس آنذاك سيارة “الفرت” بـ”البلاكاش” لأن صاحبها يبني عليها خشب ويصنع منه دورين للأمتعة والركاب، بالإضافة إلى “السلّة” وهي منطقة في أعلى “الغمارة” .

ثلاث درجات

وويضيف: كان والدي يُقسّم السيارة على ثلاث فئات كل فئة برسوم ، حيث هناك “الغمارة” بجانب السائق ، وهي بمثابة الدرجة الأولى في الطائرة حالياً، يجلس الحاج على مرتبة إسفنجية ويستمع ربما للراديو أحياناً بحسب تشدد الركاب الديني ونظرتهم لمسألة تحليلة من تحريمه ، وقيمة “الغمارة” 12 ريال ، والركاب لا يتجاوزون الخمسة أشخاص مع السائق، وأتذكر أن والدي سمح لي بمرافقتهم حينها وتأدية الحج لأول مره وكان أبي هو السائق ، وكنت أجلس بينه وبين الباب لنحافة جسمي!.

الحج قديما 1

والموقع الثاني يجلس الحجاج في “السلّة” وقيمتها 7 ريالات للشخص ، ومن المميزات أنه يتمتع حينها بمنظر السفر ،وقلة الزحام ، والهواء الطلق ، وعدد ركابها من الخمسة إلى السبعة بحسب وزن الجسم ، ومن يرتبهم السائق و”المعاوني” وهو مساعد السائق وفي الغالب يكون قريبه أو صديقه من أهل المعرفة والحل والعقد والحكمة.

وأخيراً هناك حجاج الـ5 ريال ، وهم الذين يجلسون في “الصندوق” وسط الزحام والأمتعة ، و”عزبة الطبخ” ،وربما يكون معهم حيوانات وطيور لغرض الأكل ، وعدد الركاب هنا من 20 إلى 30 بحسب مساحة السيارة المتبقية والأمتعة.

الإبل تساعد “الفورت”

ويضيف العم مبارك المسعد: ينطلق الحجاج في ذلك الوقت ناحية مكة المكرمة عبر الصحراء ، وقبل الحج بشهرين ، وفي الطريق يموت الناس بسبب المرض ويتم دفنهم في موقع وفاته ومتابعة المشوار ، وأحيانا تغوص السيارات في الرمال ويبقى الحجاج يومين أو ثلاثة أيام وهم يحاولون إخراجها ومواصلة الطريق، وكان الناس يساعدون بعضهم، حيث يتوقف أهل الإبل المسافرين للحج لإنقاذ أصحاب “الفرت”، وكانوا يتبادلون الأكل والشرب ويعالجون المرضى، ويصفون الطريق الوعرة للهرب منها.

وتتسابق الذكريات “الأليمة” في نظر القارئ ، و”السعيدة الممتعة” في نظر الشيخ “مبارك”، ويصف كيف يؤدي الحجاج الركن الخامس من أركان الإسلام بجهل وبراءة، لأن غالبيتهم يسيرون خلف بعضهم بين المشاعر دون ترديد الأذكار أو إتمام الشعائر، وكان منظر العيد الأكبر لايفارق مخيلته والناس يهبون لنحر “الهدي” وأكل جزء منها، ويقضون أيامهم الثلاث في مشعر منى بين الرمي والطبخ والشوي في الهواء الطلق، وفي بطون الأودية دون اكتراث من حرارة الشمس المرتفعة.

الحج قديما4

حلوى الأتربة

ويصف العم مبارك رحلة العودة من الحج بعد إتمام النسك بـ”الأصعب”، حيث تكون الرحلة منهكة لهم بعد الفرح والحماس والتعاون الذي هم عليه منذ شهرين، ويعودون محملين بالهدايا لأهلهم، وفي الغالب لاتتجاوز (السبحة والمسواك والحلوى)، غير أنها تصل للمستفيد الأخير مليئة بالأتربة نتيجة “التغريز” وسط الرمال، لأن السائق يجبرهم على إنزال جميع الأمتعة للمساعدة في دفع السيارة !.

ولحظة الوصول للأهل والأولاد مليئة بالمشاعر المختلطة بين الفرح والبكاء ، حيث يترقب الناس وصولهم ويجرى لهم ترتيبات وصول طريفة تتزاحم في لحظة اللقاء بهم أسئلة غريبة عن شكل الكعبة، وهل رأيتم “إبليس وأولاده”، ثم يتناول الجميع “المفطحات” ابتهاجاً بوصولهم ، وفي الغد ينخرط الحجاج بالعمل مع أهلهم في رعي الأغنام والإبل والزراعة غير آبهين برحلة الغفران التي استمرت أكثر من 80 يوماً.

في زمن الجهل

وفي نفس تلك الظروف والمعاناة يروي السبعيني الآخر العم “محمد عقاب الراشد” الذي لم يكتب له الحج سوى مرة واحدة لايزال يتذكر تفاصيلها غير أنه لم يكن مطمئناً لكمالها بسبب ما أسماه بِـ”الجهل” في تعاليم الركن الخامس.

يقول ” الراشد” وهو أب لـ 13 نفس أدوا فريضتهم وشهدوا النقله النوعية لخدمات الحرمين الشريفين: كنت يتيماً و”متيماً” بالذهاب للحج ؛ ورَقّ قلب عمي على قلبي الذي “يتفطر” شوقاً لمكة، وعزم الحج مع أصحابه وأقاربنا وطلب من والدتي مرافقتهم ، ووافقت والدتي على السفر ، وانطلقنا عبر 20 جملآ وناقة ؛ وكان عمي يمتطي “صهوة” الجمل وأنا رديفه ، وغادرنا أطراف البلدة التي كنّا نسكنها وصوت بكاء والدتي لم يفارقني غير أن فرحتها بإتمام نسكي كان “البلسم” على قلبها، وواصلنا طريقنا غرب القصيم نحو مكة ونحن مجموعة من الرجال ، وكنت أصغرهم ، فكلما أظلم الليل ترجلنا عن “المطايا” للراحة والنوم ، ولأنني لم أنسَ وصية والدتي بخدمة الحجاج فكنت أجمع الحطب وأوقد النار للطبخ.

الحج قديما

وتابع العم “محمد”، أمضينا نحو 30-يوماً في الطريق ، وعند الوصول كانت فرحتي لا توصف ، وكنت أظن الجمرات وعرفة داخل الحرم المكي..! ، وبقينا هناك شهر ونصف حتى أتممنا حجنا وعدنا إلى أهلنا واستقبلونا استقبالاً حاراً أنسانا مشقة العودة على ظهور الجمال.

رحلة بلا حج

ولأن الحج “حكاية” ، وفي كل قلبٍ “قِصّة” ، يتذكر العم “سعد مطر” حجته الأولى برفقة والدته وفي حلقه “غَصّة” ، ومحاجر عينيه دموع تسقط دمعة دمعة كلما تذكّر سكرات الموت وهي تداهم والدته في أثناء مسيرهم بين الجبال ناحية مكة.

يقول “مطر” كنت لا أتجاوز الخامسة عشر من عمري عندما رافقت والدتي ، وغادرنا القصيم على سيارة تسمى الـ”الفورت الأحمر” بصحبة عدد من الرجال والنساء، وكنّا في الصندوق؛ النساء في المقدمة والرجال في الخلف ، وشققنا طريقنا نسابق الزمن ونستبق عشرات الحجاج منهم من يركب السيارات ومنهم من يمتطي الإبل والحمير، وعندما وصلنا مشارف جبال مكة أحسّت والدتي بتعب شديد، وحاولنا إنقاذها ولم نكن نعرف ما أصابها، ونزل الحجاج في أحد الأودية والنساء يحلقن حولها، واستعنّا بالناس غير أننا لم نفلح في إيجاد سبباً للشفاء، وبقينا في الموقع يوماً كاملا، وفي المساء داهمها الأجل وتوفيت، وابيضّت عيناي من الحزن لفقد والدتي، وحملناها وأكملنا مسيرنا إلى مكة وهناك تم الصلاة عليها، وبقيت أتنقل بين الحجاج أبكي تارة وأدعوا لأمي تارة ولم أحج، وعدنا وأنا في حالة صعبة، وأخبرنا أهلنا بوفاتها وتجدد البكاء والحزن، وبقيت أشهراً عديدة على هذا الحال.

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *