الخميس - 8 ربيع الأول 1438 هـ - 08 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

بائع الفول.. قبل أن تستيقظ الأشياء

بائع الفول.. قبل أن تستيقظ الأشياء
نُشر في: الإثنين 13 يونيو 2016 | 06:06 م
A+ A A-
0
فايز الغامدي*

على حافة كل ليل، هنالك بائع فول يمضي إلى دكانه مبكرًا، يسير في هدوء كي لا يوقظ الشمس، يرتِّب الأطباق والمقاعد والطاولات، ويُخرج دفتر حساباته الصغير فاتحًا صفحةً جديدة.. وقبل أن تطلع الشمس يستقيم أمام «جرَّته»، وحيدًا بلا ظلّ…

المدينة تستيقظ للتوّ بمعدةٍ فارغة.. تهرع إلى بائع الفول، تغسل أجفانها عنده، تحتشد سريعًا أمام «دكانه».. لا يُمكن أن يُسكِت هذا الجوعَ إلا طبقٌ من الفول الناضج على مهل، فكلما زاد نضجُ الفول سَهُل هضمُه وحلا طعمُه، وكثقافة يعيها بائعو الفول تمامًا: لا يمكن أن يُحضّر الفول بنفس السرعة التي يُلتهم بها.

يمتد طابور طويل أمام بائع الفول كأفعى جائعة، لا يُمكن أن تثار الأحاديث الجانبية في مثل هذه الأوقات، ينتظر الجميع الوصول إلى «الفوّال» بصبر فارغ وصمتٍ يُخبئ كثيرًا من الضجر.. يمكن أن تسمع – فقط – الهتافات الساخطة وقليلًا من الشتائم…

لا يجلس «الفوّال» -غالبًا- بمستوى زبائنه، إذْ يتخذ كرسيًّا -عادةً- ما يكون مرتفعًا قليلًا، ارتفاعًا يمكّنه من مراقبة الطابور الطويل أمامه بوضوح.. يجعل منه هذا العلوّ مسيطرًا على الموقف، إذْ يوزع نظراته على المحتشدين أمامه بحدّة، يملأ لهم الأطباق والعبوات من الأعلى، ويتلقفونها منه بنهَمٍ لذيذ.. هو «المُعلِّم» الآن وسيد اللحظة المؤقتة، تدفعه رغبة جامحة لأن يمسك بعقرب الثواني ويكسره كي لا تفرّ منه هذه الساعة التي تشعره بالزهو…

وسريعًا ينفضّ الجمعُ من حوله، كما احتشد.. يرحل الجميع حاملين عبوات الفول بين أكفّهم، لا أحد يسأل متى يفطر بائع الفول! يهبط هو من كرسيه بهدوء بالغ، يحصي ما امتلأ به «كرتونه» الصغير من ريالات، ليقيّدها في دفتره العتيق، ثم يمضي وحيدًا تاركًا خلفه الشمس والأطباق والأواني وكثيرًا من المواقف والحكايات الصاخبة…

* شاعر سعودي

 

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *