الإثنين - 5 ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

“الكونية والتنوع الثقافي”

“الكونية والتنوع الثقافي”
نُشر في: الإثنين 26 سبتمبر 2016 | 02:09 م
A+ A A-
0
 د. يحيى اليحياوي

يعيش العالم، منذ مدة ليست بالبعيدة، تحت وطأة عولمة اقتصادية ليبرالية الطبيعة والتوجه، وتحت تأثير طفرة تكنولوجية كبرى، قوضت إلى حد بعيد ثنائية الزمن والمكان، تماما كما قوضت الأولى (العولمة أعني) ثوابت الحدود الوطنية، والتراب الوطني، والسياسات الوطنية وما سواها.

ولئن أضحت معظم الأسواق شديدة الارتباط ببعضها البعض، خالقة بذلك فضاء اقتصاديا “عالميا”، تنتظم بصلبه مختلف تيارات السلع والخدمات، فإن تكنولوجيا المعلومات وشبكات الاتصالات قد خلقت، موازاة وذلك، فضاء افتراضيا ” كونيا”، تنتقل شتى أشكال الرموز والبيانات بداخله، في زمن آني، ودونما رادع جغرافي أو سياسي كبير.

إلا أن جنوح العولمة والكونية إلى استنبات معتقدات وتصورات و” قيم” جديدة، بجل الفضاءات العالمية، لا يقدم فقط في كونه غدا تهديدا للقيم والتمثلات، التي تؤسس للهويات الثقافية، بل بالأساس في كونه توجها بجهة وأد مبدأ التنوع الثقافي، باعتباره شرطا من شروط بقاء الجنس البشري.

ولما كانت الثقافة هي مجموع السمات الروحية والمادية، الذهنية والنفسية، التي تميز جماعة بشرية ما، وتضم الفنون والآداب وأنماط الحياة وطرق العيش المشترك ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات، فإن تغييب مبدأ التنوع الثقافي (وفي صلبه مبدأ التعدد والاختلاف) إنما هو تغييب لكل هذه المظاهر، لفائدة مظاهر أخرى “أقوى”، تمتح من تدمير مقومات ذات التنوع لاعتبارات فوق/ثقافية، أو على خلفية من مواقف طائفية أو إثنية أو لغوية أو تاريخية أو غيرها.

إن الحفاظ على التنوع الثقافي هو من قبيل الحفاظ على التعدد بالطبيعة،  والذي هو من الحفاظ على التنوع البيولوجي الضامن لبقاء الكائنات والنباتات والحيوانات وباقي أشكال الحياة، بل قل إن التمييز بين التنوع الثقافي والتنوع البيولوجي غير دقيق وشكلي، لا على اعتبار نقط الالتقاء بينهما فحسب، بل وأساسا بحكم احتكامهما معا إلى محيط طبيعي يتغيأ الاستمرارية والبقاء.

إن المفروض، زمن الكونية وتزايد منطق التجارة والسوق، إنما ضبط العلاقات بين التعدد الثقافي والبيولوجي والمخاطر المشتركة التي تتهددهما، وكذا أنماط الاستهلاك والإنتاج غير القابلة للتجديد…والمخاطر التي تطرحها العولمة بوجه التعدد الثقافي والمعارف التقليدية، لا سيما بالنسبة للجماعات الآيلة للانقراض.

بالتالي، فإن المطالبة بصيانة مبدأ التنوع البيولوجي، إنما هو من المطالبة بصيانة مبدأ التنوع الثقافي والعكس بالعكس. إذ لو سلم المرء بأن التنوع الثقافي إنما هو حق لا يقبل التجزيء في قناعة الأفراد والجماعات وإدراكاتهم، فإن صيانته والمحافظة على بقائه يبقى رهين قدرة هؤلاء على ترويجه، وإشاعة منظومته في الزمن والمكان.

فضمان حرية تعبير مختلف أشكال الممارسة الفنية والثقافية والاجتماعية والدينية والفلسفية، هو من ضمان الحق في التنوع الثقافي، تماما كما هو الشأن فيما يتعلق بإسناد الممارسات الثقافية، التي من شأنها إبراز وتوسيع مجال الهويات الثقافية، وانفتاحها على ما سواها من هويات.

لكن المفارقة أنه في حين أن طفرة تكنولوجيا المعلومات والثورة التي حملتها الشبكات الألكترونية تدفع بجهة المساهمة في صيانة ذات التنوع (عبر تجميع المخزون الثقافي، والعمل على ترويجه على نطاق واسع)، فإن الكونية تبدو ولكأنها على النقيض من ذات السلوك. فهي لا تقتصر على اعتبار مسألة التنوع الثقافي مسألة ثانوية، لا أولوية لها في صياغة النظام الكوني، بل تعتبر الثقافة ” سلعة خالصة”، لا تختلف في إنتاجها وإعادة إنتاجها واستهلاكها عن باقي السلع الرائجة…تماما كما هو الحال بإزاء التعليم أو التربية أو الصحة أو ما سواها. وهو ما من شأنه تهديد الحق في التنوع والحق في الاختلاف ومن ثمة الحق في العيش الإنساني المشترك.

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *