الأحد - 4 ربيع الأول 1438 هـ - 04 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

الفعل المتعدي والفعل غير المتعدي

الفعل المتعدي والفعل غير المتعدي
نُشر في: الجمعة 25 نوفمبر 2016 | 02:11 م
A+ A A-
0
* د. فيصل محمود العتباني

كيف نجعل الأفعال الإيجابية التي نوجهها في حياتنا اليومية أفعالا متعدية لمن حولنا، وكذلك الأفعال السلبية أفعالا غير معتدية لمن حولنا؟

طبيعي أننا نواجه أفعالا كثيرة صادرة ممن نخالطهم في حياتنا اليومية، سواء صدرت هذه الأفعال من أقرباء أو أصدقاء أو حتى من غرباء لا نقابلهم إلا مصادفة. وهذه الأفعال قد تكون أفعالا سلبية تؤلمنا، أو أفعالا إيجابية تسعدنا، ومن الطبيعي أننا نتفاعل مع هذه الأفعال بردود إيجابية بناء على ما نرضاه منها وردود سلبية بناء على ما يزعجنا منها. ولا شك أن الذي نرفضه هو بسبب أن هذا الفعل لا نرتضيه لأنفسنا لأنه ببساطة لا يناسب توقعاتنا، أو لأنه بصورة أدق لم يحقق العدالة لنا. ومن البديهي أن هذا الرفض هو التصرف السليم ولا تشوبه شائبة. ومن هذا المنطلق فلنبدأ بقياس هذه الأفعال بنفس المعيار لكن على غيرنا، فهم كذلك لا يرضون إلا ما يناسب توقعاتهم ويحقق العدالة لهم. ويمكن أن تسير الأمور على هذه القاعدة. لكن الإشكالية التي ستواجهنا جميعا هو تضارب المصالح بين أفراد المجتمع. وهنا مكمن اللغز! فإذا قام الإنسان بأفعاله تجاه الآخرين وفق القوانين المنظمة للعلاقات بين الناس العام ووفق الأخلاق الإسلامية والإنسانية والذوق العام، فلن يكون هناك تضارب مصالح. فإذا تعاملنا مع هذه الأفعال وفق هذه القواعد فيمكن أن نتحكم في أفعالنا من خلال أن نجعل الأفعال الإيجابية أفعالا متعدية تنتقل بين أفراد المجتمع، والعكس صحيح وهو أن نجعل الأفعال السلبية أفعالا غير متعدية بحيث تقف عندنا وتموت وتتلاشى ولا تصبح أداة انتقام من بعضنا البعض.

ولابد أن نأخذ في الاعتبار، أن المعيار في قياس ما يمكن أن يكون متعديا وما لا يمكن، هو معيار الأخلاق والضمير الإنساني، ولايمكن أن تحيط به القوانين مهما بلغت من دقتها. لذلك وبالرغم من أن كلمة أخلاق لم ترد في القرآن إلا قليلا، إلا أنها وردت في الكثير من الآيات بمعانٍ مختلفة مثل الإحسان والعدل والمعروف والفضل والعفو وغيرها من الصفات الإيجابية.

ولنأخذ مثال العدل، فمن المعلوم أن العدل أساس الأمن والأمان في المجتمعات وإذا اختل العدل فسوف يختل الأمن. كما أن من أهم مهام الرسل والأنبياء هو تحقيق العدل بين الناس، ولم تُشرع التشريعات القانونية إلا لتحقيق العدالة بين الأفراد والجماعات. ولكن هل تكفي هذه القوانين والتشريعات؟ ربما أنها تردع  إلى حد ما، لكن الأهم من ذلك هم الناس أنفسهم. فلو كل من ظُلم ولم ينصفه القانون لجأ إلى الانتقام ونقل هذا الظلم إلى غيره، لأصبح مجتمعنا حقل عمليات انتقام وانتشار للظلم والعداوة بين الناس.

يقول علماء النفس إن الطاقة السلبية تنتقل لا شعوريا بين الناس، لذا يجب على كل شخص أن يكون دائما إيجابيا في استقباله للأفعال وكذلك في أفعاله مع الآخرين، وبالتالي لا يشحن نفسه بالطاقة السلبية من خلال التشاؤم الدائم ومن خلال سلبيات من حوله وهو ما يحدث معنا عادة إذا نقلنا الأفعال السلبية لغيرنا من خلال العمل (كردة فعل انتقامية) أو حتى من خلال التحدث بها مع الناس (من باب الفضفضة).

أجزم أن القوانين مهما بلغت لن تنهي الظلم والعداوة في المجتمعات، إذا لم تقترن بحزمة أخلاق وقيم إسلامية إنسانية مثل العفو والإحسان والتسامح والإسار. ربما البعض يقول نحن لسنا في زمن الأنبياء، وأقول إن في زمن الأنبياء كان هناك المدافعة بين الحق والباطل، والعدل والظلم. وفي المقابل زمننا هذا فيه من التسامح والإحسان حتى في بعض المجتمعات غير المسلمة لكنها استطاعت أن تبني ثقافة حضارية تحترم المجتمع وتحافظ على مكتسباته وعلى حقوق أفراده.

* أستاذ القانون المساعد جامعة الملك عبدالعزيز

famaat@gmail.com

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *