الأربعاء - 7 ربيع الأول 1438 هـ - 07 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. بروفايل

الغذامي.. حكاية الرجولة

الغذامي.. حكاية الرجولة
نُشر في: الجمعة 10 يونيو 2016 | 08:06 م
A+ A A-
تعليق واحد
بروفايل: عبدالعزيز الزهراني

تمرّ على المجتمعات أسماء شخصيات، غيرُ عابرٍ عبورها، تحفر اسمها عميقًا في جذع الأيام، وتترك للتاريخ بوصفه حاضرًا أولًا: تسليتهم، على ما بذلوه من عناء الكدّ المعرفيّ في الأيام الخوالي، وترضية ثانيًا: للأيام التي ستجيء، أن لن يُنسى كل هذا.

وشخص كالغذامي، يمرّ بين كوكبة أسماء، هي الأعلى كعبًا اليوم، في سماء الثقافة العربية، حادًّا ورقيقًا، متشنّجًا ومتّزنًا، منذ البدء، بعفوية وهبته فرصة البقاء والقرب من الناس، نخبة وعامة، بالوصف الأكاديمي، لا التصنيف الشارعيّ.

من عنيزة، وكثبان رمالها التي تحتضن النخل السامق، بزغ الفتى العنيزيّ، في بيت، كان الشارع بعيدًا عن بنيه، إذ إن صرامة الوالد، ألجأت الفتى لأن تكون دروبه بين الأرفف لا الأرصفة، وبين طيّات الكتب، لا لفّات الأزقة. ولعلّ قرب الكهل الناقد اليوم، من الشارع، ورجل الشارع، تعويضُ هذا الحبس البدئيّ. لعلّه اليوم يقول إن في دروب الكلمات، ما وهبه الفهم أكثر في دروب الحياة.

منذ ما يقارب ثلاثين عامًا، كل سنة جديدة تحلّ، يأتي معها كتاب/ حكاية للغذامي، الحكّاء النثريّ الكبير، كتاب لا تحتضنه الأرفف فحسب، بل تقتسمه صدور الصحف وصدور القراء الشغوفين بنتاج كهل المعرفة هذا. يجيء المرض القاسي أحيانًا. يجيء الفصل. تجيء الشكاوى. يجيء النقل والإبعاد. يجيء الشيخ المضادّ، ويعقبه المثقف الحاسد. يجيء البرنامج التليفزيوني، ويتلوه الحوار الصحفيّ. تجيء المغريات المناصبية والإدارات، الجوائز وسلسلة المؤتمرات و”المؤامرات” التي لا تنفد. تجيء كلها، ثم تذهب، ويبقى الكتاب، موسمًا سنويًّا يضربه القرّاء مع الغذامي، فيُحشر في حلة من اللغة والحكاية، بهيّة، ولا يضيع انتظارهم سُدى.

مرّة، قيل اسمه على منبر، للتحذير والتنفير منه، ثم صلّى هو بخشوع أمام هذا المنبر، ساجدًا ومقتربًا ـ قال لي شخص مرة إنه اكتشف أن الغذاميّ يصلي -. ومرة، هاجمه مثقف، لفرط الندّية في أحسن الظنون، ثم جاءه مصافحًا إياه بدراسة عنه، أو مقال. جعل الغذامي من نفسه مرارًا، بطل الحكاية التي يكتبها، ممثل المسرحية التي يرسمها، نرجس الماء الذي يراه، لكنه آخرًا، غدا كلّ ذلك، حين قارب “الناس” الناس، وترك لهم أن يقولوا ما يشاؤون، بوصفهم همًّا لا وهمًا. متمثّلا “الرجولة” بوصفها عماد الخلق الفاضل، لا الذكورة، تلك التي أمضى أيامه يؤنث ما استلبته “الفحولة” المنتصرة منذ كانت جنسًا أولًا، وكانت الأنثى “الجنس الآخر”، متمثّلا شيم الفرسان، الهابطين كثبان صحاري الجزيرة، يغفر لهذا، ويعاتب برفق ذاك، متخلّيًا عن حنق الناقد، ودُوار المؤامرة، يردّ على قارئ تفصله عنه سنوات هي نصف قرن وأكثر، ويبسم لقارئةٍ في عمر حفيدةٍ، تقول إنها لم تجد بحثه عن “المرأة” موافقًا لما ترى، ويواصل هو “حكاية الرجولة”.

الرابط المختصر

التعليقات

  1. سعد سعد

    جميل جداً ما كتبت يا عبدالعزيز
    واصل تميزك ، دمت مبدعاً

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *