الإثنين - 5 ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

الحضارة الإنسانية

الحضارة الإنسانية
نُشر في: الجمعة 28 أكتوبر 2016 | 01:10 م
A+ A A-
0
د. فيصل محمود العتباني

لا شك أن الله عز وجل خلق الإنسان لعبادته وحده دون شريك ولا مثيل وجعل سبحانه من متطلبات العبادة عمارة الأرض كما حرم سبحانه وتعالى الفساد والإفساد في الأرض لأن الفساد نقيض العمارة ولا يمكن أن تكون عمارة مع وجود الفساد والإفساد. فإذا ظهر الفساد غابت العمارة وتحقق الخراب.

والعمارة ليست محصورة في القصور والمباني الشاهقة والمصانع والأسواق الفسيحة، كما أنها ليست مقيدة في الاقتصاد والتجارة. فما فائدة المباني الشاهقة إذا فقدت الأمة العدالة الاجتماعية وأصبح معظم أفرادها لايجدون مسكناً آمناً. وما فائدة الاقتصاد إذا تجمعت الثروة في أيدي أفراد معدودين وأصبح جل أفراد الأمة يأكلون الفتات ولا يجدون عملا يكفيهم مؤونة الحياة. وما جدوى الحضارة المادية إذا فقد الأمن والرحمة بين أفراد الأمة.

عمارة الأرض كما أرادها الله تعالى هي في المقام الأول عمارة القلوب بالتقوى وسلامة الصدر من الأحقاد، وعمارة العقول بالفكر السليم الواعي الذي يبنى ولا يهدم ويعطي ولا يمنع، وعمارة الألسن بالقول الجميل واللفظ الراقي الودود.

إن محور العمارة والحضارة هو الإنسان وأساس الإنسان هو القلب والعقل، فإذا سلم القلب والعقل نجح الإنسان في عمارة حضارة إنسانية راقية، وإذا فسد العقل والقلب كانت عمارة الأرض جمادات ربما أهلكت الحرث والنسل وأحرقت النبات ولوثت البحار.

إن الحضارة التي استغلت أطفال الفقراء لصناعة منتجاتهم والنساء لترويج هذه المنتجات ماهي إلا حضارة نفعية وليست حضارة تنموية، حضارة في ظاهرها العمارة وفي باطنها الفساد والخراب.

في عام 1867م اخترع السويدى الفريد نوبل الديناميت كوسيلة تستخدم في حفر المناجم، ولكن قبل وفاته لاحظ أن اختراعه أصبح يستخدم في أعمال الحرب والدمار فندم نوبل على ذلك فأوصى بوضع كل ثروته في بنك سويدى لكي يتم استثمارها وتعطى أرباحها على شكل جوائز سنوية لكل مبدع في شتى المجالات العلمية والحياتية ومن أشهرها جائزة نوبل للسلام.

الإنسان مبدع بطبعه الذي خلقه الله عليه، فهناك من يبدع في جلب الخير لنفسه دون مراعاة لمصالح الآخرين وهنا يأتي دور الدين لتقويم هذا الاندفاع من خلال القيم والسلوك وكذلك للقانون دور مهم في لجم جماح شهوة السيطرة عند الإنسان، وهناك من ليس لديه القدرة لإبراز إبداعه فيحتاج من يساعده في ذلك وهنا ياتي أيضا دور الدين لتحفيزه على الإبداع والعمل وكذلك للقانون دور في تسهيل عقبات الكسل والخمول عند هؤلاء. وبين هؤلاء وهؤلاء أناس مبدعون في جلب الخير لأنفسهم ومجتمعاتهم ومساهمون في العمارة والحضارة وهؤلاء ربما يعملون وفق عقيدة راسخة وإيمان عميق لا يصيبهم كسل ولا إحباط وهم كذلك يعملون وفق القانون والنظام العام لا يَظلمون ولا يُظلمون.

ما أحوج المجتمعات اليوم لهذا الصنف من البشر.

famaat@gmail.com

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *