الإثنين - 5 ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

الإعلام وشيطنة الآخر

الإعلام وشيطنة الآخر
نُشر في: الأربعاء 09 نوفمبر 2016 | 04:11 م
A+ A A-
0
وائل كردي

ربما سمعت خلال متابعتك لوسائل الإعلام مصطلح الشيطنة، وربما يدور في ذهنك الآن بعض التفسيرات والتأويلات حول هذا المصطلح المتكرر خصوصاً خلال أوقات الأزمات.

فالشيطنة مصطلح حديث شاع عبر وسائل الإعلام وبين الأوساط السياسية والثقافية، وهو عملية تكتيكية تقوم على توظيف المصطلحات وتوجهها لبناء صورة ذهنية سلبية عن الآخر، بغرض التشويه، أو التقزيم، أو السخرية.. وتقدمه للرأي العام من خلال قوالب جاهزة وتهم معلبة، فتنعته على أنه شخص عميل أو خائن أو متمرد، أو فئة هدامة، أو حكومة فاسدة، أو إدارة فاشلة -أياً كانت هيئة الآخر أو صفته- من أجل تحقيق توّجهات من يقف وراء تلك الوسائل الإعلامية أيديولوجياً وسياسياً.

وكما أسلفت فإن مصطلح الشيطنة يعد مصطلحاً مستحدثاً، وهو رديف لما كان يعرف قديماً بالمكارثية، والتي شاعت إبان الحرب الباردة والصراع المحموم بين قطبي الرأسمالية والشيوعية.

فالمكارثية مصطلح مشتق من اسم النائب الجمهوري في الكونغرس الأمريكي في الفترة ما بين عامي 1947 و1957، جوزيف ريموند مكارثي والذي أصل في تلك الحقبة لأسلوب إلصاق التهم، وتشويه الخصم، والادعاء بدون دليل، وكان مغزاه من ذلك تخويف مواطنيه من الشيوعية، حتى طالت اتهاماته مسؤولين كبار في الحكومة مما تسبب في سجن أكثر من 200 منهم، وطرد 10 آلاف شخص من أعمالهم.

لقد أسس مكارثي لفكرة ومنهجية خبيثة لا تزال حية إلى يومنا هذا رغم موته منذ عشرات السنين، بل أصبحت المكارثية مدرسة لها أساتذتها وخبرائها في مختلف دول العالم بل وتتبناها حكومات وتيارات ووسائل إعلام وإعلاميون وكتاب.

وهي تعمل بتقنية التوظيف المّوجه للمصطلحات من أجل شيطنة الآخر، خاصة إذا كان هذا الآخر خصماً أو عدواً، لإيجاد مسّوغ نفسي وتبرير أخلاقي لمحاربته وقتله أو إبعاده، وذلك بإخراجه من طابعه الإنساني، وإلباسه ثوب المجرم المحتال، والشرير المنتهك لحق وطنه، والإرهابي المجّرد من كل القيم الإنسانية.. بشرط أن تكون تلك التهم جزافية، وافتراءات لا تستند على برهان أو دليل في الغالب.

وهذه التقنية تسّهل على طرفي الصراع محاربة بعضهما البعض، فالخصم أو العدو لا يُعد إنساناً كاملاً بعد تجريمه وشيطنته وتشبيهه بالبعوض أو الجرذان والانتقاص من انسانيته، وبالتالي فإنه لا يستحق الرحمة والرأفة أو تأنيب الضمير، فيُسهل نفسياً وأخلاقياً محاربته وقتله وحتى إبادته كما يتم قتل وإبادة الحيوانات المؤذية والحشرات الضارة.

ويسهم هذا الاستخدام المبرمج للمصطلحات أثناء الصراعات الفكرية أو الإعلامية في تكوين صورة الآخر بطريقة سلبية تقوم على نوع من التنميط القائم على الاختزال، والمبالغة، والتحيز، والتعميم، وهذا التنميط يؤدي بدوره إلى رسم صورة الآخر الشرير والمجرم والمتوحش، الذي يختلف عن صوره الايجابية الناصعة لمن يدير الشيطنة.

لا أريد تحديد بلد معين ولا تيار محدد مارس ومازال يمارس هذه المكارثية على المستوى السياسي عربياً وعالمياً، فالكل بلا شك لديه من النماذج والأمثلة الشيء الكثير..

ولكن أود أن أعرج على خطورة المكارثية من منظورها الثقافي المحلي، فشيطنة الآخر جريمة كبرى يقوم بها البعض لإلغاء الآخر، بل واستئصاله ومحوه، والكيد له بكل الوسائل، والاستقواء بالسلطة لتوريطه.

إن هذه الممارسات تحرم البلاد من الطاقات الفاعلة في المجتمع، وتضعف بنية الوحدة الوطنية، وتعمل على تخويف الناس بعضهم من البعض، وبالتالي قبولهم بفكرة إقصاء الآخر، كما تهيئ الشيطنة الأرضية لكل مفسد من التمكن والسيطرة.

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *