الإثنين - 5 ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

الإبداع المُخاتل

الإبداع المُخاتل
نُشر في: الثلاثاء 18 أكتوبر 2016 | 11:10 ص
A+ A A-
0
منى محمد

حين تتسع مساحة الحرية يتمدد عليها الإبداع ويتنامى مُتحررًا من الجمود وضيق المساحة، ويعتقد كثيرون أنّ العلاقة بين الإبداع والحرية علاقة لزوم واطّراد، وهذا يعني أنّ تزايد القمع والتضييق يصيبان الإبداع في مقتل، فيجفف الخوف منابعه ويضع الشوك والعراقيل والقيود في طريقه.

كُتب كثيرة تم تأليفها في أزمنة الاضطراب والفتن تشهد بغير هذا، إذ يُخاتل فيها الإبداع كل قيد ويصطفي لذاته أقنعة يتحدث من ورائها، فيُنطِق الحيوانات ويستدني التاريخ من حيّز الماضي ويُعيد روايته وفقًا لمعطيات الحاضر. استنطاق ابن المقفع لحيوانات (كليلة ودمنة) واستدعاءات ابن ظفر الصقلي لحوادث التاريخ في (سلوان المطاع) وتأطير الحكايات وتوليدها في (فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء)، واختلاق أخوان الصفا لمحاكمة بين الإنس والحيوان يقضي فيها بينهما ملك الجان، والتحليق في فضاء الكلام مع سرب من الطيور كما فعل ابن سينا في رسالته (الطير).

كل هذا يشهد على قدرة المبدعين على أن يحشدوا مساحات السكوت والتوجس بكتابات تقول ولا تقول، تأمر دون أن تُفصح، تُحذّر دون أن تختنق، وتحكم دون أن ترتقي مقعد السلطان.

هذه المؤلفات وإن شهدت بأن للإبداع قدرة على المخاتلة ويعرف طرقًا متعددة للوصول، إلا أنّها تطرح سؤالًا عن صوت الإنسان المُغيّب خلف ما لا يعقل وما لا ينطق، صوته المتواري خلف أموات يستدعيهم من التاريخ لينطقوا نيابةً عنه.

في مقابل هذا الإبداع المُخاتل، ثمة إبداع مُنقاد، لا يُمكن القول أنّ انقياده كان وبالًا عليه، فقد خلدت قصائد كثيرة نمت في حضن السلطة وفق مقاساتها. لكنّها كانت إبداعات طيّعة لا تقول إلا ما ينبغي أن يُقال، ولا تنطق بصوت أصحابها بل تستعير صوت السلطة لترده إليها وتُسمعها إياه في قوالب جديدة.

في هذا السياق استحضر العدو الأبدي للحرية، نقيضها المحتشد بمن نادوا بها وهتفوا لها، استدعي السجن، والشاعر الأندلسي هارون الرمادي الذي ألّف كتابًا سمّاه (الطير) وصف فيه من سجن الزهراء كل طير عرفه ورآه خارج القضبان. استدعي أدب السجون الذي تضيق عليه المساحة هُنا، لأنه اتسع على ضيق الزنازين، وهتف في وجه الطغيان لصالح الإبداع الحقيقي الذي لا يخرس، ولا ينضب، ولا يموت. الإبداع القادر على النمو في ظل أي سلطة، لأنه سلطة مضادة بحد ذاته.

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *