الأحد - 30 جمادى الأولى 1438 هـ - 26فبراير 2017 م
  1. الرئيسية
  2. بروفايل

مدرسة “كوزموبوليتانية”

مدرسة “كوزموبوليتانية”
نُشر في: الأربعاء 11 يناير 2017 | 09:01 ص
A+ A A-
تعليقان
بروفايل - راشد فضل:

تمرد على “علم الحيوان” فخرج مهاجراً في رحلة البحث عن سوسيولوجيا الثقافة عبر عملية انتقال سلسة غطاها هدوء كثيف، يجسد شخصيته تماماً، فكانت المسافة بين الرياض وموسكو مليئة بالتفكير والفلسفة العميقة، فتحت آفاقًا لدراسة مكانة السلطات الأبوية في عصر العولمة، فامتد المشوار إلى سفر أطول رست سفنه لاحقا على شواطئ السين شريان ورئة عاصمة النور، فارقها لاحقاً وهو محاط بثقافـة الـتسـامح والتعددية والسلام. حوّل ذات مرة السؤال التقليدي الشهير الذي ظل يردده الناس منذ عقود: من يجرؤ على الكلام إلى من يجرؤ على السلام ؟ حتى تحرك حساب بن بيه بكل ثقله وصار يحلق بالمقال الأشهر في السايبر.

زياد الدريس كوزموبوليتاني بمعنى هذا المصطلح الواسع، توافرت فيه كامل الشروط، من الاتسام بتعدد اللغات والثقافات، وحمل شعور أن الوطن بيئات مختلفة، إلى التمتع باهتمامات واسعة عبر الحدود الثقافية والوطنية. هو دولي لكنه ليس عالمياً في الولاء الايديولوجى، يمضي على طريق المفكرين الوطنيين، وفوق كل ذلك عاش في العاصمة الفرنسية باريس التي حملت صفة المصطلح دون غيرها من العواصم، لثقافاتها المتعددة وانفتاحها على العالم.

إلى (اليونسكو) حمل أبو غسان معه تأهله الأكاديمي العالي وتجاربه العملية ونشاطه الانساني الواسع وحراكه الثقافي الثر، موثقاً بإسهامات عديدة في كثير من اللجان الثقافية والإعلامية والتراثية، إلى جانب تربيته التعددية مع أبيه التي قال عنها إنها: “تمنعه من الإيمان بنظرية تفوّق جنس على جنس، فكيف بتفوّق جنسية على جنسية؟!” دخل الى المنظمة الأممية وهو يعلم أنه جاء في وقت نمو الاقتصاد الرأسمالي وصعود الاثنيات، والأصولية الدينية، ومجتمعات المعلومات أو ما بعد الحداثة والنظام العالمي الأحادي، والإرهاب العالمي، وهو زمان زالت فيه الايديولوجيا التي يقول عنها المفكرون إنها مثالية السياسة، وحل التشرذم الاجتماعي وثقافة الاستهلاك الشخصي، لكن برزت تيارات التعددية الثقافية ليست التي انحصرت في ثنائية اللغة وأطلقت من كندا وأستراليا، لكنها سرت في منعرجات الجدالات السياسية وأصبحت مضمارا للنقاش الأيديولوجي.

في حراك اليونسكو، انداح خلال عقد من الزمان مع تيارات التعايش السلمى بين الثقافات المتعددة، وواكب داخل منظمة التربية والعلم والثقافة، تطوير أساليب الحياة والتفكير أيضاً، تلك الأساليب التى تستأصل من مجتمعات وثقافات المنشأ ومن الحياة التقليدية والتمركز حول الوطن والعائلة، والاتجاه للتطوير نحو حياة مختلطة ثقافياً تتجسد فيها مختلف الأفكار والتقاليد والابتكارات المتنوعة، يحيطها ضجيج بيئات فنية وفكرية تميزها لغة ثقافية خاصة مرتفعة للغاية، لا يغيب عنها الأدب ولا أساليب البيئات المختلفة.

قبل أن يغادر الدريس مقعده، أخذ عليه الحجازيون الحريصون على تراثهم القديم أنه رفع شعارًا عنهم لا يمثل موروثهم، العميق، ربما أنست الحماسة الزائدة، بعضهم قبل أن يشتطوا في الخصومة، أنه يحلق بعيدا مع ثقافات التنوع، وتنوع الثقافة، وغاب عنهم أن إسهاماته في تسجيل التراث الوطني ذات ثقل سجل معها اسمه وبلاده بتفرد في ذاكرة المنظمة، فكم من موقع وأثر تاريخي سعودي سجل في ذاكرة العالم بفضل جهده الوطني، بل تعدى ذلك إلى إسهامه المقدر الذي بذله في ضم فلسطين لعضوية اليونسكو وما قدمه للقدس والأقصى مما ستذكره الأجيال، ويكفيه أن عاد  وهو راضٍ عن أدائه، الذي عززه التفاف أصحاب الضمائر الحية بمختلف توجهاتهم الفكرية والجغرافية حول بذله.

مع نهاية دوام يوم الجمعة ٣٠ ديسمبر الماضي، اختتم زياد مهمته مندوباً دائماً للمملكة لدى منظمة اليونسكو لفترة امتدت عشر سنوات، وفي أركان المنظمة ما زال يتردد صدى كلماته التي  قالها يوماً ما : جميلٌ أن تحب الشعوب أوطانها، لكن الأجمل أن تحب الشعوب بعضها، وقبيحٌ أن تكره الشعوب بعضها، لكن الأقبح أن تكره الشعوب أوطانها.

الرابط المختصر

التعليقات

  1. محمد مصطفي محمود محمد مصطفي محمود

    جميل أن تحب الشعوب اوطانها لكن الأجمل أن تحب الشعوب بعضها ; نحنا نفتقر لي مثل هذه القيم والتعايش السلمي بين الأديان والثقافات والشعوب مع بعضها البعض

  2. ابوحسان ابوحسان

    مقال رائع
    الا انني احببت ان اوضح حسب مااعلم ان الذي اقر فكرة
    المزمار وحبذا دخولها للتراث النجدي هي وزارة الاعلام
    وقد نفى ايتاذنا زياد انه هو من طالب بذلك
    ولك الشكر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *