الأحد - 24 ربيع الآخر 1438 هـ - 22 يناير 2017 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

في الاقتصاد اللامادي

في الاقتصاد اللامادي
نُشر في: الثلاثاء 20 سبتمبر 2016 | 02:09 م
A+ A A-
0
 د. يحيى اليحياوي

تعيش الاقتصادات المتقدمة، منذ أكثر من ثلاثة عقود،  مرحلة انتقال تدريجية، من هياكل تنظيم وإنتاج مرتكزة على بنى الصناعة والفلاحة والخدمات التقليدية، إلى هياكل وبنى إنتاج جديدة، مرتكزة بقوة على طرائق إنتاج وتخزين واستغلال وتداول واستهلاك المعلومات والمعطيات والبيانات والمعارف وما سواها.

وعليه، فلم تعد النظرية الاقتصادية رهينة ما ساد ويسود من طروحات وتصورات بنيت في الأصل، على أساس هيمنة الإنتاج المادي المباشر أو ما اكتنزته الأرض من معادن ومنتوجات خام، بل تحولت (بحثا ميدانيا وتنظيرا منمذجا غاية في التعقد) إلى مقاربة في طبيعة ومظاهر وتبعات الاقتصاد الجديد المتشكل، وطبيعة الفاعلين من بين ظهرانيه…

بالتالي، فقد انتشرت نتيجة ذلك طروحات جديدة عبر عنها أصحابها بمصطلحات مستجدة من قبيل “المجتمع الشبكي”، و”الاقتصاد الافتراضي”، و”الاقتصاد اللامادي”، و”اقتصاد عصر المعلومات”، و”الاقتصاد الجديد” و”اقتصاد الرموز” وغيرها، تماما كما انتشرت بموازاتها أو في صلبها أو بامتداد لها، مصطلحات جديدة أخذت لها مسميات من قبيل “الثقافة الافتراضية”، و”الثقافة السايبيرية”، و” ثقافة الآنية والسرعة” وما سواها. كما امتدت هذه التسميات لتطاول حقول معرفية أخرى بعيدة، فبتنا نسمع عن “الديموقراطية الافتراضية”، و”التواصل الافتراضي” و”العقل الافتراضي” وهكذا.

والواقع أن السر في ذلك، إنما متأت من أن المعلومات كما المعارف (كما الشبكات والبنى التحتية الحاملة لها) لم تعد مجرد مدخل عادي من مداخل الإنتاج التقليدية، المساهمة في إنتاج الثروة (يد عاملة رخيصة، رأسمال مادي صرف)، بل غدت المحرك الأساس لذات الإنتاج، أحجاما ونوعية، كما على مستوى التنظيم المؤسساتي، من مرونة، وتكوين عالي الدقة، وتنافسية بالنجاعة، وقس على ذلك.

إن هذا الترميز الذي باتت المعرفة مجاله وميدانه، تصميما وتخزينا رقميا، انطلاقا من توافرها كمعلومات على شكل كتب ومجلات وأوراق عمل ومراجع وفهارس وصور وصوت وأفلام ورسومات، إضافة إلى مسألة تسهيل نقلها عبر الشبكات الرقمية العالمية، إنما يجعلها أداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ذات دور فعال للغاية. وهذا ما يقربنا من مجتمع المعلومات، الذي يولد وينقل ويستعمل المعرفة في صيغتها الأولى الخام، لخدمته في المجالات كلها. إن توفير المعرفة وتحويلها إلى معلومات رقمية، يجعلها تتحول إلى “سلعة” حقيقية تزداد أنواعها وأصنافها وأحجامها يوما بعد يوم، ويزداد دورها في الاقتصادات الوطنية، التي بدأت تتجه باتجاه وصوب اقتصاد المعرفة الناشئ.

وعلى هذا الأساس، فإن نجاعة الاقتصادات الوطنية، وتنافسية شركاتها ومقاولاتها، إنما باتت تقاس بمدى قدرتها على جمع المعلومات والبيانات، وترتيبها وتخزينها وإعادة إنتاجها، وتداولها من بين ظهرانيها كما من لدن حلفائها وشركائها، بغرض الرفع من سبل ووتائر الإنتاجية، وتوليد سلع وخدمات جديدة (خاصيتها الأساس أن العنصر المادي بها ضئيل قياسا إلى المكونات اللينة)، تتحصل بها حصصا معتبرة من السوق، ترفع من خلالها مستوى مداخيلها وأرباحها، وتزيد عبرها بالمحصلة، وزنها بين مثيلاتها بالوطن وبداخل الاقتصاد العالمي بوجه عام.

لا يقتصر الأمر هنا عند تقدم “الجانب الرمادي”، احتكاما إلى ما يعود للجانب المادي في   السلعة أو الخدمة أو ما سواها، بل يتعداه ليطاول طبيعة العديد من الفاعلين الثاوين خلف ذلك، وليطاول أيضا أشكال التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المندرجة تحت غطائها. أي أن “الثورة الرمادية” لم يقتصر مدها ومداها على الاقتصاد بصيغته التقليدية، بل طاولت أيضا الفاعلين في ذات الاقتصاد على مستوى البنية والبنيان. إننا بتنا بالمحصلة بإزاء منظومة في الاقتصاد والمجتمع والثقافة تبني أسسها على أنقاض الاقتصاد المادي، عوض أن تتكئ على مقومات هذا الأخير لتشكيل ملامح جسدها وروحها.

 

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *