الأربعاء - 27 ربيع الآخر 1438 هـ - 25يناير 2017 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

عولمة الظاهرة الدينية

عولمة الظاهرة الدينية
نُشر في: الثلاثاء 16 أغسطس 2016 | 10:08 ص
A+ A A-
0
د. يحيى اليحياوي

قد يكون تاريخ إصدار هذا المؤلف الجماعي (لميشيل غارداز وآخرين، بالفرنسية) قديما نسبيا أو متقادما في بعض طروحاته، إلا أن موضوعه وتيماته ومضامينه ليست كذلك بالمرة، بل هي اليوم أكثر راهنية بالقياس إلى التموجات الكبرى التي تعرفها الظاهرة الدينية في معظم بلدان المعمور.

فعلى الرغم من حقيقة التراجع الواضح الذي تعرفه التقاليد الدينية الكبرى، وبالعديد من دول وجهات العالم (في الغرب تحديدا)، فإن الظاهرة الدينية تعرف، على النقيض من ذلك، طفرة حقيقية على المستوى النوعي وبمقياس وتيرة الانتشار والسريان بكل أرجاء الكون. إذ تتوسع التعددية الدينية بقوة، بفضل الشبكات متعدية الجنسيات، وذلك بصلب الديانات القائمة كما بداخل الحركات الدينية الجديدة، وهو ما يفرز انسيابية متزايدة للمبادلات، ويشجع على تجاوز صلابة الحدود الدينية التي كانت قائمة في أزمنة ما قبل العولمة.

ولذلك، نجد أنه حتى الأقليات الدينية، كتلك التي انبثقت من الحركات الدينية الراديكالية (الإسلامية والكاثوليكية والبروتستانتية) قد باتت تفرض تأثيراتها على القضايا الكونية الكبرى، لا سيما عندما تلجأ للتطرف والإرهاب، إذا لم يكن لفرض وجهة نظرها، فعلى الأقل لنشرها وترويج تصوراتها، لكن بعضها اندمج في مسلسلات من الانطواء الهوياتي، كتعبير من لدنها على شكل من أشكال مواجهة التنميط الثقافي المترتب عن عولمة الأسواق والاقتصادات والثقافات.

لكن الجانب الأساس الذي يهمنا هنا إنما ذاك الجانب المتعلق بمستقبل العلمانية، كعلاقة بين الدولة والدين، كمؤسسة للإدماج الاجتماعي وكعلاقة بين الأمة والدين. أقول مستقبلها، لأنه بقدر تقوي ضغوط وإكراهات العولمة، بقدر تقدم المد الديني على مستوى التمثل وعلى مستوى الممارسة أيضا.

يتميز المستوى الأول من العلمانية بالاستقلالية المتبادلة بين الدولة والدين، بالانفصال بين القانون المدني والمعايير الدينية، بين المواطنة والانتماء الديني، بين حرية المعتقد والدين والعقيدة…إلخ. وهي مسألة قائمة بقوة بالغرب، لكن العولمة حدت من مفعولها على محك البعد الهوياتي الذي ازداد وتوطد.

ويتميز المستوى الثاني بحيادية الدولة بوجه كل الديانات المتواجدة، وجنوحها إلى التموقع بمسافة واحدة منها، حتى وإن كانت تدرك أن الاندماج الاجتماعي الذي قد يثوي خلفه هذا الدين أو ذاك، قد يكون ذا تبعات سياسية وثقافية أكيدة. بهذا المستوى أيضا، يبدو أن الدولة لا تستطيع، في ظل العولمة، الحد من تأثير الدين ولا مواجهة من يرفعون شعارات على أساس من استحضاره.

أما المستوى الثالث فيتم التنصيص بموجبه على ضرورة إضعاف، ولم لا إزاحة الدين كعنصر من عناصر الهوية الرمزية للأمة. إلا أن هذا المستوى لا يعتد به كثيرا، ليس فقط بحكم تزايد الحاجة إلى الدين، ولكن أيضا على اعتبار مركزية هذا الأخير في بناء الهويات.

بيد أن ثمة تساؤلا جوهريا لا بد من طرحه: بأية وتيرة يمكن إقحام العلاقة بين الفرد والتقليد والذي يتخذ من الطريق الفردي قاعدة للعلاقة الهوياتية مع التقليد؟

صحيح أن تواجد المجموعات الأثنو/دينية الجديدة بالفضاء العمومي قد ازداد. وصحيح أن المعايير الهوياتية قد تأججت بجهة الربط مع الأصول التقليدية كما بجهة المجموعات الأخرى (لا سيما المتواجدة بالمهجر) كما بجهة الدول الأصلية حيث لا سبيل للأواصر البارزة أن تنمحي.

إلا أن هذه الحدود الأثنية التي توضع على محكها قضايا الاختلاف والتشابه، هي في الآن ذاته نقط التقاطع التي تحيل على الاحتكاكات بين المعتقدات والتمثلات والرموز، والتي قد تكون عنصر إثراء وتحاور، كما قد تكون عنصر تدافع وتصادم. من هنا تبدو لنا أهمية المقاربة متعددة المداخل، كونها تضع الأصبع على مكامن التقاطع والتشابه، كما على مصادر الاختلاف والاحتكاك.

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *