الخميس - 25 جمادى الآخرة 1438 هـ - 23مارس 2017 م
  1. الرئيسية
  2. حياة الناس

في حياة الناس قصص تروى وأخرى تطوى

قصة عقد من العذاب والظلم بدأت من الأب فالأقارب ولم تنهها المحاكم

قصة عقد من العذاب والظلم بدأت من الأب فالأقارب ولم تنهها المحاكم
نُشر في: الإثنين 20 يونيو 2016 | 02:06 م
A+ A A-
0

تحاول (س . ح) استرجاع ولو بعض لحظات سعيدة عاشتها في حياتها دون جدوى، فهذا شريط الذكريات يمرُّ أمامها، وكل مشاهده أسى وقسوة وظلم، منذ طفولتها.. حتى زواجها.. وفي كِبرها.. ولا فرق إن كانت في السعودية أم في اليمن.

تقول (س.) وهي تسرد لنا حكايتها: “ظلمني الجميع بما فيهم أمي وأبي، أردتُ التعليم فرفضوا، وبقيت أخدم إخواني إلى أن فاتني قطار الزواج، وحينها زوّجني والدي إلى غير سعودي، رجل سكن في قريتنا وأحبه أبي، وتقدّم لطلب يدي فوافق والدي، وعشت حياة طيبة معه أنجبت خلالها 5 أطفال (2 ذكور و3 بنات)”.

إلى هنا تبدو الحكاية طبيعية، لكن الوقائع والأحداث التي شهدتها المنطقة مع احتلال صدام حسين للكويت غيَّرت مجرى حياة (س.) إلى حيث رجعة. تقول “جاءت أزمة الخليج وركب زوجي رأسه في عدم البقاء، وطلب الإقامة وسافرنا لليمن جميعًا، وبعد أن انتهى ما معنا من مال ذُقت العذاب والجوع والفقر مع أطفالي”.

وظلت (س.) ثلاث سنوات في اليمن لا تعلم أين موقع البلدة التي تقيم فيها سوى أن اسمها “لحج”. ولحج لمَن لا يعرفها محافظة ساحلية في جنوب اليمن، تعيش كغيرها من مدن اليمن وضعًا بائسًا، وفقرًا مدقعًا.

خلال سنواتها الثلاث في لحج، والتي عاشتها كأنها دهور، حسب وصفها، حاولت (س.) إقناع زوجها بالعودة إلى السعودية، فما زالت على جنسيتها، لكنه كان يرفض، فكَّرت في الهرب، وتقول: لكني لا أملك المال الذي يوصلني وأولادي إلى جيزان، ولا أعرف حتى الطريق.

مع شمس كل يوم كانت تعيش (س.) مأساة جديدة مع أطفالها، وفي زمن لا يرحم، تصف لنا بعضًا مما جرى: “إحدى بناتي كاد أحد الذئاب أن  يفترسها بـ300 ريال يمني، (5 ريالات سعودي)، وابني الأصغر أصيب بمرض نفسي، ونحن لا نملك في البيت أي شيء.

وحين طال بها البقاء في لحج اليمنية لجأت (س.) للقبيلة بعاداتها الأصيلة، وتشفّعت بعددٍ من الأعيان لإقناع زوجها بالعودة للسعودية أو تطليقها بعد أن فاض بها الصبر، ولم تعُد قادرة على الاحتمال، لكن الرفض من جانبه كان سيد الموقف.

وبعد  سبع سنوات وافق أنه يوصلنا للحدود، ومن هناك يتصل على أحد إخواني؛ لأننا لم نكن نملك أية وسيلة اتصال، قالت (س.) وهي تروي لنا رحلتها مع العذاب: “أصبحت أشكّ هل أهلي سيعرفونني إذا وصلت لهم، مما أصابني خلال تلك السنوات..”. وتواصل “رحلنا من لحج بعد أن أصبح اثنان من أطفالي مصابَين بالمرض النفسي، ولد وبنت، والبنت الكبيرة أصيبت بالسّل في صدرها، والاثنان الباقيان تعبا معي في رعاية إخوانهما”.

من مدينة لمدينة، وعبر عشرات السيارات تنقلت (س.) مع أولادها برفقة زوجها “مرة نركب فوق الونيت، ومرة في جيب، ومرة سيارة كبيرة، وبعت كل ما بقي معي من ذهب في تلك السيارات، حتى وصلنا للحدود، ووجدت أن جوازي منتهيًّا والأولاد لا يمتلكون جوازات، ورفض الناس مساعدتي، واضطررت أن أعدّ مهربًا بـ2500 ريال عن كل واحد منا ليوصلني لديرة أهلي الباحة، وبمبلغ إجمالي 15000 ريال”.

ورغم عبورها الحدود السعودية إلا أن معاناتها لم تنتهِ.. هنا أيضًا فصل للمعاناة، لكنه طويل ومخيف أيضًا رغم بداياته المبشّرة، ولندع (س.) تواصل روايتها: “أمضينا في المشوار من جيزان للباحة 20 يومًا، ذقت وأولادي فيها المُر والعلقم، حين وصلنا، وصار زوجي كمن فقد عقله، بعد أن انتقده إخواني لعدم وجود أوراق ثبوتية معه أو مع الأولاد، واستطاع أحد إخوتي أن يُعيد لي هويتي، ويُجدّد جوازي، وسافر إلى جدة عدة مرات ليحصل زوجي على جواز سفر، واستطعت كفالته”.

“حينها قلت في نفسي: زانت لي الأيام فزوجي يملك مهنة، ويمكن أن يعمل بها رغم كِبر سِنه وأمراضه، وبدأ في فتح محل باسمي” لكن الفرحة لم تدُم فقد توفي زوج (س.) بعد شهر من فتح المحل، و”فتح لي أهل الخير أيديهم فجادوا علي لكن معروف الناس لا يدوم وعندي مريضان في البيت”.

وجدت (س.) نفسها مضطرة لطلب ميراثها من أبيها، وما زال الحديث لها: “كلّمتُ إخواني أن يقسموا لي من ورث أبي حتى أعيش ويبني لي أهل الخير بيتًا، لكن انقلب إخواني وأخواتي عليّ، وكأني لست أختهم فرفضوا إعطائي من الميراث”.

فاتجهت إلى أمها لتقنع أخوانها، وهنا كانت الصدمة الثانية من والدتها “أمي اعتبرتني فاجرة لأَنِّي أطالب بحقي وهم الذين دفعوا عني 15000 ريال مقابل التهريب، وأكّلوني وشرّبوني إلى أن استرددنا هوياتنا، وبدأ زوجي في العمل”.

ربما يكونون على حق، ويقاطعها مُعدّ الحديث، فتجيب وكلها حسرة: “لا لا.. فقد نسوا أني وبناتي كنا خادمات لزوجات إخواني وأولادهم، بل إن الواحد منهم جالس في المجلس وينادي على بنت عمته أو ولد عمته ويقول: جب لي ماء، جب لي أكل، وكنت أصبّر نفسي وأولادي على كل تلك الإهانات حتى نستقل بروحنا، كان أولاد إخواني ما يقولون لنا إلا “وين اليمنية وأولادها”.

لم تجد (س.) من طريق سوى القضاء ولجأت إليه وكلها أمل بأخذ حقوقها ولكن.. “وقف كل الناس في وجهي حتى القاضي رفض أن يستمع للشكوى رغم تحويل رئيس المحكمة لطلب نصيبي من وريثي الشرعي”.

ودار الحوار التالي بين (س.) والقاضي والحديث لها: “قال القاضي جيبي حصر وراثة. قلت ما أعطونيه، وربما أسقطوني؛ لأن والدي توفي وأنا في اليمن. قال مالك عندي شيء. قلت صحيح حقي عند إخواني، وأريدك أن تطلبهم يقولون هل أنا أختهم أم لا..! فرفض القاضي فرجعتُ لرئيس المحكمة، قال أحوّلك لقاضٍ ثانٍ، ووافقت لكن القاضي الأول رفض أن يسلّمني أوراقي أو يحوّلها للقاضي الثاني”.

هكذا وببساطة رفض القاضي، قالت (س.) وواصلت بحديث كله حُرقة وقهر ملخّصة معاناتها “طوال عشر سنيين من المراجعات في المحكمة لم يستمع لي أحد.. وأولادي وبناتي لم يتعلموا ولم يجدوا عملًا ولم يتزوجوا.. ابنتي المتعافية عمرها 36 عامًا ولم تتزوج.. أنا مقطوعة ليس لي أحد.. ابني البكر لم يحصل على الجنسية لسفرنا لليمن وليس لهم أحد.. ووريثي ضاع.. لا يوجد لدي سكن.. ولا يوجد لدي مَن يعينني”.

وتتجه نحو السماء “أنا أشكو ما بي لله، أريد أن أطمئن أن أولادي لن يرحلوا للمكان الذي ذُقت فيه الجوع والفقر والشقاء والأمراض محافظة لحج في اليمن”. (377) .

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *