الجمعة - 26 جمادى الآخرة 1438 هـ - 24مارس 2017 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

“الملك الإنساني المشترك”

“الملك الإنساني المشترك”
نُشر في: الإثنين 17 أكتوبر 2016 | 01:10 م
A+ A A-
0
د. يحيى اليحياوي

لم يكن مصطلح الملك الإنساني العالمي المشترك معروفا من عشر سنوات خلت ليغدو اليوم مجال بحث ودراسة، مادة للندوات والمؤتمرات والتقارير. والواقع أن الذي أضفى على المصطلح “جماهيرية” واسعة إنما دراسات البنك الدولي وتقارير برامج الأمم المتحدة للتنمية وبعض الوكالات المتخصصة ذات الأبعاد الوطنية والجهوية والدولية، وبعض من الباحثين والمختصين في قضايا التنمية والاقتصاد العمومي والعلاقات الدولية وما سواها.

لم تعمد المؤسسات إياها إلى خلق المصطلح ولا مأسسة خلفياته، بل عمدت منذ البدء إلى تكريسه كواقع حال قائم، تزامن استنباته مع تزايد مد العولمة الجارفة وتقدم مبادئ وإيديولوجيا الليبيرالية الجديدة وتعاظم البحوث والتطبيقات التكنولوجية وغيرها.

وواقع الحال المقصود هنا إنما ذاك المرتكز على حقيقتين اثنتين:

الحقيقة الأولى وتكمن في التراجع المستمر للفضاء العام وللسُلطات العمومية بداخله، في مقابل التصاعد المتزايد لمد السوق ونفوذ السلطات الخاصة…ترتب عنهما معا بروز صراعات وتجاذبات بغرض تسليع وخوصصة مجالات ذات منفعة جماعية، لم تكن من ذي قبل مكمن ذات التجاذبات، كحالات الملكية الفكرية المرتبطة بعلوم الأحياء أو حقوق تملك المعلومات والمعارف أو غيرها.

أما الحقيقة الثانية فتتراءى لنا كامنة في حالة التجاوز التي طالت (ولا تزال تطال) الدول/الأمم أمام تدويل وعولمة العديد من القضايا والإشكالات الكونية الكبرى، والتي أضحت معها العديد من “المرافق” المشتركة موضع نزاعات متصاعدة، تستوجب تدبيرا تفاوضيا على المستوى الجهوي كما على المستوى العالمي سواء بسواء.

لا يتعلق الأمر هنا فقط بإشكاليات تلوث البيئة وندرة المياه، ولا بمخاطر الأمراض المعدية المتجاوزة للحدود، بل يتعلق أيضا بقضايا المخدرات وتبييض الأموال الوسخة وتصاعد نبرات العنف المنظم على اختلاف مرجعياته وخلفياته وما إلى ذلك.

لا يرتبط الأمر فقط بعدم قدرة الفضاءات الوطنية على ضمان ذلك وضمان استمراريته في الزمن والمكان، بل لربما أيضا بالطبيعة الخاصة التي تجعل من الملك الإنساني (أو الكوني) المشترك، ملكا متمايزا عما سواه من مرافق و”أملاك” في شكله كما في الجوهر:

فميزة الملك الإنساني الأساسية طبيعته اللاإقصائية والتي يستحيل بموجبها حصر بلوغ مرفق أو الاستفادة من خدمة ما، إذا كان عرضها ” مشاعا” كما هو الشأن بالنسبة لاستعمال الطرق العامة أو الاستفادة من الإنارة العمومية بالأزقة والشوارع أو ما سواها.

وخاصيته الثانية استحالة تجزيئه، إذ استفادة شخص ما (أو جماعة) لا يمنع الأشخاص أو الجماعات الأخرى من الاستفادة منه، دونما إمكانية من لدن الأول لتقويضه أو الحؤول من لدنه دون بلوغ الآخرين.

إن نجاح أطروحة الملك الكوني المشترك إنما يكمن في إبراز حقيقة أن هناك من القضايا الكونية الكبرى ما لا تستطيع دولة واحدة أو مجموعة دول تمويله أو إنتاجه أو محاربة الشاذ من بين ظهرانيه… وأنه من المفترض خلق فضاءات فوق/وطنية ذات شرعية وسلطة تنفيذية، تضمن سريان “الخير” من هذه المرافق وتحول دون اتساع مجال “الضار” ضمنها.

من جهة أخرى، فإن طرح الملك الإنساني المشترك يكمن أيضا في تحذير بعض من المنظمات المدنية العالمية من مخاطر استمرار نموذج استهلاك الدول الكبرى للطاقة المفرزة للتلوث على مستقبل البشر ووجودها، ومطالبتها بتقليص تكاليف الدين على العالم الثالث المؤدية للجوع والفقر وتردي واقع الحال.

إن الذي يبني له مبدأ الملك الكوني المشترك إنما استنبات الأرضية القمينة بمواجهة طغيان العولمة والسوق والليبيرالية وتوجهها المستميت بجهة تقليص دور الدولة والملك العام والمرفق العام وضمنها جميعا مبادئ البلوغ المتساوي، غير المجزأ للسلعة أو للخدمة أو لما سواها.

 

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *