الثلاثاء - 26 ربيع الآخر 1438 هـ - 24 يناير 2017 م
  1. الرئيسية
  2. الرأي

الخاطريّة الثَّالِثَة: تكافُؤ القُوى

الخاطريّة الثَّالِثَة: تكافُؤ القُوى
نُشر في: الثلاثاء 29 نوفمبر 2016 | 03:11 م
A+ A A-
0
د. سعيد القرنيّ

مصطلَحٌ عسكريٌّ يُجريه عامّةُ النّاس مُجرًى خاطئاً؛ لاقتصاره على الإيمان بالمحسوس دون الغيْب. وما نراه لا يُنسَبُ إلاّ ما لانراه في ناموس الله الّذي تحكمه سننُه الكونيّة الّتي لا يُحيط بها علماً إلاّ هو .

انتصر المسلِمون في بدرٍ على المشركين وهم العُشْرُ منهم ، ولو قيل ذلك لإنسان هذا العصر الّذي يخفّ في نفسه الإيمانُ بالغيب ؛ لطغيان المحسوس عليه، وعُجْب الإنسان فيه بمصنوعه الّذي صنَعَ بالحمْل على محسوس صُنْع الله – لقال : تلك أساطيرُ الأوّلين .

قال الله القائل: “إن تنصروا الله ينصُرْكم” : ” وأعدّوا لهم ما استطعْتُم من قوّةٍ ومن رباط الخيْل تُرهِبون به عدوَّ الله وعدوَّكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ” ؛ فجاءَ بالقوّة نكرةً عامّةً في سياق الطّلب المَحْض مقيَّدةً بالاستطاعة ؛ فالله لا يكلّفُ نفساً إلاّ وسْعها ؛ فيصحّ في ” ما ” هنا أن تكون مصدريّةً ؛ أي : استطاعتَكم ، وأن تكون موصوليّةً ؛ أي : الّذي تستطيعونه ، ولم يقُلْ لنا : أعِدّوا لهم مثْلَ الّذي أعدّوه لكم ؛ لأنّ الله ناصر من ينصره ، وهو ( سبحانه ! ) القويّ المهيْمن على الأسباب والنّتائج معاً .

قال لمريمَ ( عليها السّلام ! ) : ” هُزِّي إليكِ بِجِذْع النّخلة تُساقِطْ عليكِ رُطَباً جنيّاً ” ؛ فأمرَها باتّباع الأسباب ولو كانتْ واهيةً في مُكنتها البصريّة ؛ لأنّ النّتائج موصولةٌ بأسبابها ، ووصْل الأسباب بالنّتائج من وضْع الله وصُنْعه . ومعلومٌ أنّ جذع النّخلة عَصِيٌّ على هازّه من أقوياء النّاس دون ضَعَفَتهم من الرّجال فضلاً عن النّساء ، بلْهَ النّساء النُّفَساء .

ولكنَّ الله الّذي خلقَ الجِذْعَ لتمكين الشّجر من الحياة موصولاً بخزين التّراب وخزيلِه أقْدَرَ مريمَ (عليها السّلامُ !) على هزّه ؛ فما الغرضُ من وصْلها بالجذع والله قادرٌ على هزّه دون أن يهزّه بشرٌ؟!. هو اتّباع الأسباب دون حقْرٍ ؛ فالله ربّها وربُّ ما ينشأُ عنها من نتائج. وفي قوله : ” إليك ” أمرٌ بتمام اللصوق بالجذع تمكيناً لمجرى الطّاقة الّتي يُجريها الله في الوسط أو الوسيط النّاقل لها ( مريم عليها السّلام ! ) ؛ فليسَ الأمرُ موقوفاً على التّماسّ بالجذع ، بل استيعاب اللصوق به ؛ فجاء بالباء الدّالّة عليه ، والهزّ متعدٍّ بنفسه، ولكنّه ؛ لتعذّره من التّعدّي للمفعول في محسوس النّاس ومشاهَدهم عدّاه بالجارّ الدّالّ على اللصوق ؛ وهو الباء .

إنّ عقائدنا في الخلْق والرّزق معاً تحتاج إلى وصْلٍ بالخالق الرّازق وصْلاً كاملاً غيرَ منقوصٍ ، نؤمن فيه بالغيب إيماننا بالشّهادة. وإن نحن فعلْنا ذلك سُدْنا وسوَّدنا الله بسننه الجارية في الأوّلين والآخِرين .

جامعة أمّ القرى
qsmaf@yahoo.com
@drqsmaf

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *