الإثنين - 25 ربيع الآخر 1438 هـ - 23 يناير 2017 م
  1. الرئيسية
  2. ولنا كلمة

الثلاث الأثافي

نُشر في: الأحد 26 يونيو 2016 | 02:06 م
A+ A A-
0

يُقال إن من غير العدل تعميم صورة نمطية على مجتمع ما أو أمة بعينها.. بمعنى أنه ليس صحيحًا أن لكل مجتمع صفات محددة يتصف بها.. مثل أن المجتمع السوداني كسول أو أن المجتمع المصري مهرج.. أو أن المجتمع العراقي قاسٍ يحب الدماء.. مثل هذه الصفات تعميم قد لا يتفق مع الحقيقة.. وإن كان يذهب علماء (الأنثروبولوجي) إلى التأكيد على أن لكل مجتمع خصائص يتصف بها – ما علينا – فليس هنا مجال التحقق من هذه المقولات، وإنما المتابع من منطلق الملاحظة لا يملك إلا أن يتفق مع الأنثربولوجيين.. وعندما نشر الباحث والكاتب القدير هشام شرابي كتابه عن العرب بعنوان (مقدمة في دراسة المجتمع العربي) متضمنًا أن العرب قوم يعيشون بأكثر من شخصية، لم يتقبله بعض العرب، وعارضه متهمًا شرابي بالتأثر بالحياة الأمريكية التي عاش فيها.. لكن الحقيقة تؤكد أن للإنسان العربي فعلًا أكثر من شخصية.. وأن ذلك ليس ادعاء أو اتهامًا لا صلة له بالصحة.
فالعربي له شخصية ظاهرة وأخرى باطنة.. وشخصية للأجانب وأخرى للأسرة، وثالثة للعمل، ورابعة للأصدقاء، وخامسة للسفر، وسادسة في المسجد.
إذًا هو عدة شخصيات تتلوَّن بحسب المكان والظرف.. والبيئة والهدف والناس المحيطين.. ولذا يقول د. شرابي إن هذا النوع من المجتمع يصعب التعامل أو الثقة فيه، ولن يستطيع تحقيق نجاحات بارزة على مستوى الساحة العامة أو في ميادين العطاء.. ويبدو أن ذلك صحيح، فالشواهد الظاهرة والتعامل تؤكد حقيقة تعامل العربي مع نفسه ومع الغير.. هذا ليس جلدًا للذات، وإنما واقع ملموس ومحسوس.
وقد نشر رجل أعمال أمريكي وكاتب – في الوقت ذاته – كتابًا بعنوان (التعامل التجاري مع السعوديين).. وذلك قبل كتاب (مايكل أوكين) الذي يحمل العنوان نفسه.. وفي ذلك الكتاب نصح مؤلفه مَن يتعامل تجاريًّا مع السعوديين فعليه ألا يعطي اهتمامًا للوقت، فالوقت بالنسبة لهم ليس ثمينًا، ولذا فما يمكن إنجازه في ساعة قد يحتاج إلى أيام، ثم إنه لا يتم بحث الموضوع المراد تحقيقه، وإنما اللف حوله كثيرًا، وفي النهاية يكون الحديث عن الموضوع (يا ساتر).. فعلًا الوقت غير مهم.
الأمر الثاني، كما يقول الكاتب الثقة.. فليس من السهولة بمكان الوثوق في عربي.. طبعًا ليس على عمومه.. وإنما في الغالب، فإن الثقة ضعيفة مقصوصة الجناح.. أما الثالث فهو (Hypocrisy) النفاق، وهي ثالثة الأثافي القاتلة.. إذ يصعب التفريق بين الصدق والنفاق.. ويحتار المستمع فيما إذا كان المتحدث منافقًا أو صادقًا..
طبعًا العربي يقول: لا ننافق ولا نكذب وإنما نجامل.. وهذه مشكلة كبرى؛ لأن إدراك الخطأ يقود إلى الرجوع للصواب، ولكن عدم إدراك ذلك والتسليم بأن المجاملة من المسلَّمات الاجتماعية هو المسار إلى الضياع الذي يعيشه العرب منذ تاهت أقدامهم بين هذه الأثافي الثلاث.
البعض من علماء النفس يتهمون المرأة بأنها هي السبب؛ بحكم أنها المنبت الأساسي ومدرسة التكوين الأولى للطفل.. فهي إما أميَّة جاهلة أنشأت مجتمعًا جاهلًا أو أنها نتاج لمجتمعها.. وأياً كانت هي فإن الملاحظ أن المرأة العربية أو الغالبية منهن تربي طفلها على أكثر من شخصية منذ نعومة أظافره.. فهي إن كانت في مكان عام، وسأل الطفل عن حمام يقضي حاجته فإنها تنهره (عيب) الناس موجودون، ومن ثم تقول له: اعملها هناك طالما أنه ليس هناك أحد يرى.. وإذا جاء لهم ضيوف ألبسته أجمل ملابسه من أجلهم، وإذا غادروا رمته في حوش البيت.. وإذا أجاب مَن يسأل عن أبيه في الهاتف قالت له أمه أخبره بأنه غير موجود (وهو موجود).. بيئة كهذه سيكتسي مَن ينشأ فيها بالأثافي الثلاث.. وهذا قدَر أمة!!

الرابط المختصر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *